عشــاق ليــــالي الـقمـر
حيـاك في منتـداك! ادخل فورا أو .. سجل! وتصفح على مهلك.. وحاول ان تساهم لا تبخل وترحل دون ان تؤانسنا بمرئياتك! وهذي الزيارة مشكـورة! لكن لا تنسانا وعـاود، ولا تطــول! لانه في كل يوم جديد أكيد!! وحـيــــاك!

عشــاق ليــــالي الـقمـر

الحياة والانسان، خواطر ومشاعر ومعاناة! قد تحولها مخيلة المبدع الى.. لوحة عجيبة! مرسومة بريشــته أو بقـلمه بحروف سحرية تسطر لـنا .. رويـة أو .. حكاية مثـيرة أو .. بـأحـلى قصــيدة!
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  س .و .جس .و .ج  الأعضاءالأعضاء  دخولدخول  بحـثبحـث    
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» رسالة ترحيب بأبو سجا
الأحد ديسمبر 24, 2017 10:20 pm من طرف الساهي ابراهيم

»  رسالة من رؤية معاصر محاصر!
الأحد ديسمبر 24, 2017 10:15 pm من طرف الساهي ابراهيم

» ابو سجا يعود
الأربعاء أغسطس 09, 2017 7:26 am من طرف ابو سجا

» يا عيني لا للدمع
الجمعة يونيو 23, 2017 12:06 pm من طرف عاشق ليالي القمر

» الرؤية في زمن الطيبين أحلى!
الأحد فبراير 19, 2017 5:04 am من طرف ابو سجا

» أنا فقدت الرؤية بسبب ..
الأحد فبراير 19, 2017 4:24 am من طرف ابو سجا

» اليوم الرياض على اسمها
الأربعاء فبراير 15, 2017 12:41 am من طرف ابو سجا

» هي كذا الحياة وبغير ما تحلا
الثلاثاء فبراير 14, 2017 11:53 pm من طرف ابو سجا

» مكانك بدونك موحش
الخميس ديسمبر 15, 2016 12:41 pm من طرف الساهي ابراهيم

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط عشــاق ليــــالي الـقمـر على موقع حفض الصفحات
أفضل 10 فاتحي مواضيع
ابو سجا
 
عاشق ليالي القمر
 
الساهي ابراهيم
 
ورده مجروحه
 
مبسوطه
 
شمعه سهرانه
 
بنت افكاري
 
كازانوفا جده
 
د.ابراهيم جاسر
 
بدر عبدالله الغلث
 
المواضيع الأكثر نشاطاً
بسببك وبعض الناس!! لا يشق لي غبار!!
ما فيه غرفة دردشة؟؟
بداية المشاركة: أبأسألكم بس من غيــر زعــل!
عقيد والا تعقيد؟؟
الليل الطويل!
الرائد الاول!
رسالة لمصر بالخبر!
شيء عن جديد عاشق!
رحلة بالغيب
ألف ونِعم عليك! ومبروك!!
راحــة الارواح
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر

شاطر | 
 

  كنوز بيت الطين!!

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الساهي ابراهيم
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 73
تاريخ التسجيل : 14/04/2012

مُساهمةموضوع: كنوز بيت الطين!!   السبت فبراير 02, 2013 4:42 pm

] ________كنوز بيت الطين________

وقـَّع" أبو عبــد الله "في المكان المخصص تحت اسمه كمشتري ووقع بعده البائع أبو حمــاد ليتبارى بعدها رهط الحاضرين بعبارات المباركة لكل من البائع والمشتري ثم أعتدل السمسار وصاحب مكتب العقار سـويلم ويكنّى أبو إبراهيم في جلسته ليوزع عليهـما ابتسامة عريضة أيضا ولكنها من أعماقه بينما شرعت يداه آليا بانتزاع صور العقود الخاصة بكل منهما بعـد التوقيع عليها ومنهم وختمها منه سلم كل طرف عقده وهو يـقول بابتسامة أكثر اتساعا من تلك العريضة وبـدأ يقهقه ولكنه بترها ليقول :
- مبروك! مبروك يـا بو عبد الله البيت، وأنت يعوض عليك بالبركة، يـا بـو حمـاد، والحق كلكم طيبين
تستأهلون، وأنـا بعد أستأهل معكم خصم حقي ونسبتي من المبلغ..

قـالها ثم تذكر أنه كان يضحك مقهقها فأكملها باهتـه وهو يركز بصره وجميع حواسـه في رزم الأوراق النقدية في حقيـبة أمامـه ويـداه تـستقطع منها بعض الرزم وترصصها جانبا فـوق مكتبه، ومـا إن انتهى من حصته حتى تذكر مرة أخرى أنه نسي إكمال الضحكة فعاد يكمل بقايا القهقهة مجلجلة وعيناه تستحث كل من ينظر إليه من الرهط فيشاركونه الضحك وهم لا يعرفون سببا لذلك، وبتر الضحكة واستدار نحو كل من البائع والمشتري كأنه لم يضحك قط ومنهيا فورا الفترة المستقطعة للمرح للبدء بالأمور الهامة، وأطرق قليلا ثم رفع رأسه إليهما باهتمام كي ينهي ما تبقى من الأمور المتعلـقـة بإجراءات المبايعة وإقفال جلسة المبايعة نهائيا:
- طيب! هذي فلوسك يا بو حماد تقدر تستلمها وتعدّها، أما أنت يا أبو عبد الله، موعدي معك إن شاء الله بكرة،
حتى أكمل لك تسجيل المبايعة والإفراغ للصك باسمك بموجب التوكيل من البايع، وما يحتاج أسلمك أي
مفاتيح، فالباب (على كراعه) على ما يقولون.

وانهالت المباركات على الأطراف مرة أخرى ومن الجمع ثم انشغل الوسيط بوضع حصته في الخزنة وأندمج أبو حماد بتفحص وعـدّ النقود في الحقيبة، واكتفى الحضور بالحملقـة وبتركيز شـديد على كل ورقة نقـدية ضمن الرزم ومن المؤكد بأنهم قاموا بتعداد ذلك المبلغ مرات ومرات قبل أن ينتهي أبو حماد من عدّه، أما المشتري أبو عبدالله فانهمك هو الآخر بـفـك رموز قراءة الصـك الذي كتب على ما يبدو بـيراع من القصب وبخط أشبه بالكتابة الكوفية القديمة الغير منقوطة لانطماس معظمها، ولكنه عرف بأنه بـيـت كبير وقـديم من الطين " اللـبِن" ويقع في القـرية القديمة أو الجزء القديم من المدينة التي هجرها الناس منذ عقود وانتقلوا عنها بعيدا في مباني وأحياء جديدة أكثر تطورا, وحدث هذا قبل عقد من الزمن ومع طفرة في الاقتصاد والازدهار وبعد نضوب مياه الجوفية في البلدة القديمة وجفاف المزارع وهلاك المزروعات، وبقيت تلك البيوت أطلالا للذكرى لعدم إمكانية الاستفادة منها بكساد المنطقة واستحالة العيش فيها فتحولت مع الزمن الى خرائب.

ولكن أبو عبد الله ادعى بينه وبين نفسه تنبؤه بمستقبل باهر لهذه الرقعة في أيام قريبـة قادمة, وسيكسب منها الملايين أمام عشرات آلاف سيدفعها اليوم، وكاد في جلسته أن يوقع عقود بيعها في مخيلته ويقبض تلك الملايـين لـولا أن أفسـد عليه هذه البيعة صوت السمسار العقاري أبو إبراهيم وهو يـذكره بموعد الـغد لإنهاء بقية الإجراءات في مبنى (كتابة العدل).
وغادر أبو عبد الله المكتب العقاري تحمله أجنحة البهجة حاملا في حقيبته ورقتين خفيفتين فقط بعد أن كانت مثقلة بحزم الأوراق النقدية التي أستغرق ملؤها عشرات من السنين الطويلة والمليئة بالجهد والكفاح والتقتير لتصبح ثقيلة ذات وزن وفعل، وما أن تم الامتلاء في نهاية هذا اليوم حتى أفرغها بسهولة في عدة ثوان على مكتب سمسار! وأمتعض من هذه الفكرة التي اقتحمته وقبل أن يغصّ بآلام الندم تذكر نبوءته وبأنه قريبا سيعيد امتلاءها ومرارا بأضعاف ما حملته من هذه الرزم النقـدية, بل ربما سيحتاج إلى أعداد أخرى من الحقائب أكثر وأضخم، وهنا تبدلت سـحنته وزال تجهمه سريعا بهذه الأفكار المنعشة وانفرجت أساريره ليهتف في سره:
- يــا مرحبــا!! ألف وألف مرة .. ثم بعد ألف بشـناط الملايين!

ونظر إلى ساعته (أم صليب) وهي من ضمن أثمن أربعة أشياء يعتز بها حياته ومن كل الدنيا وقد ورثـها عن والدِه، فحمل على عجل حقيبته وأتجه إلى سيارته الداتسون من نوع الشاحنات الصغيرة الحجم المسماة (وانيت) وتعتبر متوسطة العمر ولكنها على أي حال جيدة، لأنه يعطيها الكثير من الحب ويوليها العناية القصوى لما تقدم له من مكاسب خارج أوقات الدوام بنقل الأشخاص والأغـراض داخل المدينة أو ضواحيها وساهمت بمجهودها مع المردود بملء الحقيبة بالأهم مما يعتز به، وحازت بذلك على المرتبة الرابعة والختامية بعد النقود ونفسه والساعة.
أشارت عقارب الساعة إلى الرابعــة والنصف عصرا، ووجد أن الوقت مازال مبكرا على الغروب، وقد خضع تماما تحت سطوة الرغبة الملحة في نفسه لرؤية المنجم الذي دفع فيه منـذ قليل ثروتـه ومحصلة شقاء الخمس وعشرين سنة. نعم! عقد العزم ومنذ اللحظة على التوجه نحو هذه الأرض ويدخل ذلك الحي كالمنتصر و"كصاحب أملاك"، فلن يفوّت على نفسه المتعة بهذا الإحساس ولا بنشوة هذا اللقب أبدا، فجميع خلايـاه تستشعر مذاقا يستطعمه لأول مرة في حياته، جذوة حارقة تـلهب مشاعره ولكنها تغمره بالسعادة الغامرة، فأغلق عليها وبسرعة جميع أبواب ذهنه عن أي غزوة فكرية معاكسة وأي خواطر قد تبرر ما يؤجل ذلك القرار أو يهبط من عزيمته، فأدار محرك السيارة وانطلقت وكأنها غذيت ببرنامج "الكتروني" نحو هدف لا غير، وراحت تشق به شوارع المدينة وهو لا يدري إن تجاوز أو خالف فيها نظم السير، فهو يسير وكأنه يسبح في محيط لا نهائي ونحو كوكب آخر، فلا يرى (بالطبع) بعقله ومخيلته إلا الحقائب المكدسة برزم أوراق البنكنوت، ولا غير ذلك، وليس بالمهم أن تكون من ذوات الفئات المحْمرّة أو المخْضرّة أو الزرقاء فالأهم أنها في النهاية تتراكم في أرقام من ملايين من الريالات، تعبأ في الحقائب وتنزّل، وتفرغ و تحمّل ..

ولم يشعر بأنه تخطى الطوق العمراني من المدينة الجديدة أيضا وقلبه ورأسه وأكتافه تتراقص مع أغنية يجأر بها جهاز "التسجيل" لمطرب قديم وتوافق طرازه القديم، ولشدة حماسه تندفع يده كل لحظة لتبحث لا شعوريا عن مفتاح زيادة مستوى الصوت ليرفعه الى نقطة التوافق معه والتي وصلت فيه الى أقصى المستويات، ومع الإحساس بثقـل الوقت مع بعد المسافة يشارك بتوتره كل حين المطرب بالغناء كيفما اتفق وبأي كلمات أو حروف وما سرّى عنه إلا حين لاحت أطلال القرية القديمة المهجورة على بعـد بضع كيلومترات وأمسى يسير في المساحة الخالية التي تخيل أنها تشكل حدود جغرافية وطبيعية واقتصادية وتاريخية تفصل بين حقبة من العصور القديمة في القرية وواقع الحضارة الجديد في المدينـة والأحيــاء الجديـدة، وبينها صورة هذه المنطقة العازلة حيث انتشرت الحُفر وأكوام هائلة من النفايات ومقابر للسيارات إلى جانب المقابر القديمة لبني الإنسان، وهو يسعى بنشوته لتجاوزها في أقصر وقت رأى أمامه على مسافة ما خمن أنها (عشش) أو أكواخ صغيرة من أكداس الخشب وبعض الصفيح والخيش، وعندما حاذى أقربها شاهد حولها طفلا وآخر ربما طفلة توقفا عن الركض باتجاهه على بعد خطوات بالقرب من مسار السيارات الترابي لينظرا إليه بفضول أو تعجب، والأرجح أنهما ينتظران من القادم شـيئا كهبة أو حسنة، وكان اندفاعهما يركضان وبحماس نحو طريق السيارة ثم مشهد وقوفهما البائس لابــد وأن يثير درجات من عواطف الشفقة والعطف ولـو بإلقاء تحية عابرة "تطييب خاطر" في أضعف الإيمان.
ولكن أبو عبد الله بطبيعة روحه الساخرة وغرابته لم يثر المنظر أو الموقف لديـه سوى الشعور بالضحك الساخر الممتزج بالتقزز، بل أصابه بالضيق وزاد من توتره لتنطلق منه العبارة التي دائما ما تجد طريقها على لسانه فـور شعوره بما يناقض حسه ورغباته وتوقعاته التي يراها في نفسه ميـزة لتـفوق عقلي وحضاري لديه عن أي إنسان يعاني في أوجه الحياة فيتأفف ضيقا، ولهذا أنطلق صوته عليهما:
- والله من البلشه! والله البلشة..!

أحبطته رؤية الطفلين يرتديان ما يشـبه السراويل القصيرة وكسا صدريهما ربما هو نـوع من القمصان أو "الفنـايـل" ولكن ألـوان جميع تلك الملابس أتحدت مع لون جسديهما من قمة الرأس حتى أخمص القدمين, في لون واحد داكن، وهو أقرب الى السواد، مما أوحي لأبي عبدالله ولفطرته الساخرة أن لـون الطفلين أيضا هو ليس بالحقيقي، متهكما ومتنـدرا على الموقف ومنظريـهما، فأخذ يهز رأسه متشمتا بتزاحم الاشـمئزاز والقرف لتحتدم في صدره ثم تبرز على تعبير وجهـه أولا وتنطلـق على لسانه وبالصوت العالي:
- امش! والله من الوصخ!

أخيرا! وصل "ابو عبدالله" الى البيت ولم يجد أي صعوبة في الوصول إليه، لأنه كان هنا هذا الصباح مع السمسار وسـارا بين أشـباح القرية من الأطلال الطينية حتى وصلا إلى المكان بعـد عبـورهم أعـدادا من الأزقـة المتعرجة التي تحاذيها أنصاف جـدران وبقايـا بعض الأسوار لاشك بأنها شمخت ذات يوم حول جنات من البساتين أو هي بقايا لقصور قديمة وبيوت يمكن أن يقال عنها عظيمة الشأن في غابر تلك الأزمان، وأخيرا انتهت به الدروب إلى ما يشبه الشارع العرضي الواسع الا أن طرفيه نهايات تسـدهما جدران أو أيضا بقاياها من المباني المتهدمة ليتحول الشارع الى سـاحة مستطيلة مغلقة طول ضلعها الموالي لمدخلها بطول الضلع المقابل وهو كامل السور الغربي وواجهة للبيت الذي اشـتراه، انـه في الحقيقة ليس بالبيت العادي، فمساحة بناء البيت الهائل هي فقط مسافة تقارب ربع طول ضلع السور، وفي نهاية الطرف المقابل للطريق التي ولج منها الى الساحة، وأما ما تبقى حتى آخر السور وما خلفه فهي "أحواش" واسعة كثيرة بدت مجزأة من خلال ما تبقى من ارتفاعات قصيرة من تقاطعات الجدران أو أساساتها وتدل بشكل واضح على أن آخر مالكيه ربما قاموا بتحويل ذلك البستان الكبير في يوم ما إلى حظائر إيواء لقطعان من لمواشي المختلفة وتربيتها.

وأوقف أبو عبد الله (الوانيت الداتسون) بجوار أملاكه وأمام بوابـة البيت مباشرة، وتبين أنها ليست سوى تجويف كسرداب واسع معتم أشبه بمدخل نفق قطارات، وما يذكر بأنه كان بوابـة منزل إلا وجود العمود الخشبي الضخم على أحد جانبيه مع ما تخلف به وحوله من الخشب السميك الثقيل الصلب كالمستخدم عادة لأبواب القلاع والحصون، وفي ذلك ما جعله يهبط من سيارته بخيـلاء وشموخ الفاتحين، منتصبا وبارز الصدر مرتفع الهامة وهو يميل رقبتـه وبصره ينطلق فوق امتداد السور مرارا في مسار منحني كالوتر بين نقطتي النهاية حتى أنزله آخر مرة ليستقر على الفجـوة الواسعة التي كانت تسدها يوما بوابة عملاقة تليق بالعائـلـة الوجيهة التي قطنته في زمن ما.
ونظر إلى ساعته "أم الصليب "فوجدها تشير إلى السادسة وعشر دقائق، فاتسعت حدقتا عينيه لتفاجئه بسرعة تسرب الوقت وانسلاخه قبل أن يبـدأ برؤيـة بقية البيت، وظهر عليه التوتر ما جعله يزيـد في سرعـة خطواتـه مخترقـا البوابـة في ممر واسع وطويـل ومعتم زاد من قلقـه ليضاعف من سرعته في سباق مع الزمن ليمتلك الوقت الكافي لمـلء عينيه بمساحات "الأحـواش" الداخليــة المتراميـة قبل أن تستـفحل الظلمة، لأن هذه النظرات والمشاهد هي التي سيحملها وينتج منها الوقـود الذي سيشعل خيالاته وأحلامه في هذه الليلة السعيدة حيث سيقيم فيها احتفالا خاصا في غرفتـه وعلى فراشـه وبطريقتـه المتميزة في التخيل بالأحلام الوثيرة، ومن يدري؟ فقـد تطـول أفراحه حتى الصباح التـالي. وتخطى الممرات الداخلية حتى وصل إلى آخر باب سيفضي به إلى الأحواش، وما إن وقف على الحالق حتى هتف لا شعوريا بما لم يكن يجرؤ على البوح بـه في زيارتـه الأولى هذا الصباح مع السمسار:
- أوه ! الله! الله! هذي المساحة وألا بلاش! وهناك أبواب تفتح على الجهة الثانية، وعلى فضاء؟
- يـا سلام! يعني! شـارع آخر ومعنـــاه .. ذهب! فلوس، ملايين! يـــــاه!


وراح بصره ينتقل بين أطراف السور من الطرف الى أقصى طرف يمينا ثم يرتد يسـارا وهو غائب في أحلام لـذيذة! ولقد أقام فعلا احتفالاته قبل موعد الافتتاح المحدد سابقا بالوصول إلى غرفتـه هذه الليلة وقبل النوم!.
وحين تنبه فجأة من عميق أحلامه، فإذا به قـد أباد الوقت الطويل هدرا، فأرتج!
وأحس في نفسه بـوحشة المكان في ظلمة ما بعد الغروب، التي طمست مرئيات البيت من الداخل وقد خيمت أمامه على جانب الأفق الشرقي وأمدت منها الأطراف الدامسة لتلتف حوله وتأوي في الممرات الداخلية من البيت، أما فوق رأسه فأكتمل توقد ضوء أكـثر النجوم في قبة السماء الحالكة السواد.

وأخذ يتلفّت يمنـة ويسرة وبزاويـتي عينيه فقط، ثم ألغى أهم أدوار الشــبكية في قوة التركيز او الوضوح، وعمل على فصل جميع اتصالاتها بالأعصاب وبمركز القيادة العليا في الجمجمة.
وقرر أن ينسحب، وأنسل يبسمل ويحوقل من حيث كان أتى، راجيا الله أن لا يسمع أو يظهر له فجأة ما يحطم جـدران دفاعاته النفسـية والعقلية الهشــة، فيحدث له ما لا يتمنــاه هو فقط وليس مهما غيره من البشر، فهـو يرى أن ليس في العالم من هو في مثل نصف مأزقــه هذه الليـلة أبـدا! بل هو يزداد أضعافا متـوالية الى الأسوأ، فإذا به يجد نفسه قد خرج من قلب البيت والظلمة بسلام.
فسخر من نفسه ومخاوفه وأخذ نفسا عميقا ملء رئتيه وظل يحمد الله تكرارا وهو يفتح باب السيارة ويدس جسمه فيها بهدوء، باذلا جهده في إظهار تماسكه، فما زالت السيطرة الكاملة شبه مفقودة للتحكم بحركة يده المرتعشة وهي تذهب في اتجاهات غير مطلوبة أو مقصودة، وبالكاد تمكن من وضع المفتـاح في المكان الصحيح وأن يدير المحرك، ومع ذلك وحين نجح لطمته السيارة وبشدة!
إذ لم يدر محركها لأول مرة، فاستعاذ بالله من الشيطان وبسمل وأعاد التشغيل، لعلـه نسـي أن يسمي بالله في المرة السابقة، وتلقى صفعة أخرى أقوى جعلته يترنح، ثم تعوذ بالله واستعان وعاد ولم ينجح، ثم بسمل واستعاذ وحوقل وأعاد والمحرك يصر على العصيــان، ولم يستجيب أو يبـد أي بـادرة اسـتعداد للتعاون! وراح يحدث نفسه ويتساءل:
- وش صــار؟ السيارة كانت بكامل عافيتـها أول ما وقفت؟ وأنا ماليها "بنزيم" الين "ترغت" وانتخمت
وزاعت؟

واذا برائحة قوية نافذة تغزو أنفه فتساءل:
- لكن! وش ريحة البنزين؟ يمكن شرَّق "الكلب ليتر"؟

لتنطلق عبارته المعتادة على لسانه ولكن بالإحباط:
- والله! البلشة!
- يعني لازم أنزل؟ وأنـا ما صدقت على الله إني أركب!
- والله البلشة!

فعزم أن يستجمع ثقته ويتشجع, وهذا ما يتطلبه الوضع ويستلزم الشجاعة، فعليه أن لا يبقى في هذا المكان وبهذه الحال حتى الصباح!
ففتح باب السيارة بعنف لتندفع إليه من الخارج رائحة وقود "البنزين" قويـة! وان لم يلاحظ الرائحة النافذة عند ركوبه فله العذر بظروفه الخاصة السابق، فحدث نفسه مفتخرا ليدعمها في التماسك:
- أوه! أنــا قلتها! إن السيارة "مشرّقـة" بالبنزين!
- والله البلشــة.. والله البلشة..!

ووجد في الفكرة ما يخرجه ويبعده عن مخاوفه لفترة، فأدار المفتاح ليتأكد من كمية الوقود في المؤشر فوجده يشير الى (صفر)..؟ صعق! بُهت! فالأمر لا يصدق! فهو متأكد من تعبئة خزانها حتى تجشأ ممتلئـا، ونزل غاضبا يكيل اللعنات على السيارة وصب غضبه على الإطار يركله بقدمه ثم وقف مستسلما ينظر الى الأرض بيأس وتفكيره عاجز عن القيام بأي خطوة، وبينما هو كذلك ومن خلال غيومه لاحظ أن تحت قدميه بقعـة أشد اسودادا من الظلمة المحيطة منتشرة فوق الأرض وتمتد الى أسفل السيارة، وحرك قدمه فوقها فبدت ثابتة أو جافة! فانحنى ليتفحصها لمسا بأصابعه ثم ملأ كفه بحفنة من التراب وأدناها من أنفه لينفك بعدها بصب اللعنات من جديد حنقا وسخطا بصوت أعلى وقد تذكر قطعة الحديد التي فاجأته على الطريق وداستـها عجلات السيارة بعد تجـاوزه بأمتار قليلـة "طفلـي الـعشّـة" البائسين وكان لازال يلقي عليهما عبارات الشماتة والاستهزاء!.
وتذكر أيضا بأن الطفلـين هما آخر من رآهم من البشر في طريقه منذ دخل الحزام الحدودي حتى وصل إلى هذا المكان، وهذا يعني أنه في مكان معزول!
فطفق يفكر بصوت مسموع ليدخل نفسه في أجواء بعيدة عن الهواجس التي لا يريـدها أن تـطغى وتسيطـر على تفكـيره:
- طيب! لابد ان " المدينة الجديدة" في هذا الاتجاه، شرقا!

لذاتوجب عليه المشي على طريــق قديمة للسيارات وان يتوغل غربا في وسط القرية وقبل ان يتجه للشرق, أو يتجه شرقا وعليه أن يبحث عن يبحث عن مساراته بين الخرائب! ولكنه وجد الحل مشجعا نفسه بصوت مسموع:
- والحل! هو أن أتوكل على الله وأمشي في الطريق اللي أعرفها، ولو حصل أي اختصار.. فخير وبركة
- صحيح! وذا يجعل المسافة أبعد! وهي الأضمن من المشـي في دروب مجهولة، أو تكتشف انها مسدودة
أو اكون عرضة للضياع أو الخطر! ..

وأنطلق في أثر سيارته، وأضواء المدينة البعيدة وهبت السماء ما يمكن أن يرى فيها كظل باهت لضوئها يسقط على الأرض أكثر خفوتا دون أن يزيل الظلمة أو يعطي للأشياء ظلالا، ولكن تمكنه على الأقل من أن يتحاشى الارتطـام بالجدران مباشرة ويميز فيها طريـق سيره،. في الوقت الذي نجح فيه بتطويع جميع قدراته الحسية بشكل فريد لتعزل كل أصوات الخوف التي يأتي من محيـط الواقع الخارجي الذي يعاني فيـه، ومن أمواج صخب هواجسه الهادرة ليحجّمها في جدول ضيق ضعيف لا يتمكن من اختراق عالمه الخاص المحمي بالتجاهل والإلغاء، فلن يسمع حتى صوت خطواتـه وصداها لأنها خارج مجاله، ولا أضعف ولا أعلى صوت من داخله أو خارجه ضمن تصنيف حامل للرعب، فكيـّف بصره وأنفه مع بقية الحواس على عدم استقبال أي إشارات أو روائح غير محببة تحمل الخوف والإحباط ودون استثناءات، فكان أن فـنّدت هذه أي إحساس لديه بالتعب أو العطش أو الجوع. مع غيرها من المشاعر ليواصل سيره بقوة ونظامه يقارع ويقاطع كل ما حوله بينما هو يمرق من زقاق إلى آخر دون أن تجسر عينه على النظر في الأزقـة أو الأشياء الجانبية ولا المتفرعة ودون الالتـفات نحو الخلف عدا الاتجاه الذي حدد مسبقا وهو الاتجاه فقـط إلى الأمـام.
ولما انتهى به السير في ممر الأعمق في الظلمة والطول في شدة الضيق ويأمل في آخره انجازه قطع نصف المسافة من رقعـة الخرائب أو مثلث برمودا ليتحول اتجاهه شرقا نحو منطقة النفايات على مشارف المدينة الكبيرة، وبينما همّ بحماس تخطي زقاقـا جانبية ضيقة على يسـاره متحاشيا كالعادة النظر فيه الا أنه ظـن أو لمح بزاويــة العين شيئا من الضوء الباهت لاح له في جوف الظلمة!
مما أحدث فيه هزة عنيفة واستنفار قسري وعاجل في أفكاره، وخمن فيها أنه انعكاس لمبة صغيرة على باب منزل أو "سـراج قديم" في " دكان" صغيرة، كما خطرت له الأفكار النافية بأنها مجرد توهّم، والأدهى أن تكون من موع "الإيهـام"! أي بفعل فاعلما؟
فقرر الثبات على مواصلة السير ولكن الأفكار المتفائلة كان لها الغلبة بكونها الاحتمال الأول والقرار الأخير بالأماني المشجعة بإمكانية الحدوث والتشكك من بقية الطريق، مع الأمل أن يجد بعدها ما يسعده بمن يساعده، وتتبخر عندها كل أهوال محنته ومعاناته إما بالحصول على ملجأ آمن حتى طلوع الشمس وما يبعده عن الأزقـة والخرائب المخيفة والرعب الكامن له بها، أو يجد من أو ما يسهل عليه قطع المسافة الطويلة المتبقية بالحصول على أي وسيلة مواصلات أو ضمان الرفقـة مع عدم قبول النصيحة والإرشاد بأقرب الطرق وأسهلها للسير والوصول في هذا الليل دون "المرافــق"!
ووضع تحت الكلمة الأخيرة عشرة خطوط حمـراء وأنه لن يتنازل عنها ومطلقـا الا بقبول الملجأ الآمن حتى الغـد، وان تطلب ذلك التضحية بالنفس! فلن يتردد.
دارت كل هذه الأفكار في بضع ثواني وسريعا في بضع الخطوات التي تجاوز بها زاويـة الزقاق الأخيرة ليرتد بظهره فجأة على عاقبيه ولكن ببطء، إلى حيث لمح الضوء وهو يصارع الخوف ويراهن التشكك بالأمل العارم أن يصدق تخمينه، وكان العبء المؤرق في هذه العشرة خطوات يوازي أكثر مما حمله طول المسافة السابق قطعها وفي ختامها وقف يرنـو بزاويــة العين أولا فالجرأة الابتدائية بالالتفات الكامل غير متوفرة في تلك اللحظة حتى ظهر ورأى الضوء الحقيقي يصدر عن فتحة باب صغير على بعد عشرين مترا تقريبا بالجهة اليسرى من عمق الزقاق الضيقة جدا لتنفك من أعماقـه شهقة وتبعتــها عبارات كثيرة غـير واعيــة أو هستيرية للحظات، ولما تمكن من السيطرة عليها وعلى نفسه أخــذ ينظم أنفاسه حتى هـدأ تماما، وبعد وقفة صمت فتح فيها فوهة واسعة لقبر كل ما سبق من أفكاره المزعجة ومخاوفه السابقة وتمكن من استرجاع نفسه ومشاعره حتى اللحظة دخلت فيها عجلات الوانيت حدود القرية وهي ممتلئة بالفرحة والآمال وتلوح في عينيه صور الحقائب المنتفخة لتظهر من جديد على محياه تلك الابتسامة المعهـودة تغشاها البهجة عند مواجهة كل موقف ليثبت فيه تفوقه في الذكـاء وصدق ما يتوقعـه وتخميناته التي تـبرهن هذه الألمعية في ما يتـنـبأ به، فهمس بصوت هامس ممتلئ بالحماس مع هـزة رأس قويــة مؤكــدة صدق كلامـه هذا:
- أنـــا قـلتـــها!
- أنــا قـلت ان فيــه بيت وإلا محل، يعـــني فيــه!
- وأنــا ما رجعت إلا متأكد من توقعــاتي، واللي دايـم في محلها، ما تخيب.. ها

ولم تكن هـزّات رأس ابو عبدالله ساخرة من نفسه، أبــدا! بل كانت نحو ذلك المجهول الذي تسبب بمخـاوفه السابقة والأفكار التي ظلت تحاولت هزيمته من الداخل والسيطرة عليـه، طوال سويعات مضت به كالدهور. واخذ جسمه يقوم بحركات متأنية ومدروسة ويبدو أنها حركات اعداد وتهيئة خفيفة ليبرز بعدها معتدلا أو كما يقال "رازّ نفسه" في شخصية متماسكة، بعد مزقتها الهواجس وبعثر الخوف بكرامته، وقد عـدّل هيئتـه مرات قبل أن تخطو رجله بأول خطوة هادئـة ورزينـة ثم تبعتـها خطوات مختالة نحو الهدف، وقد ارتسمت على زاويتي شفتيه وأسنانه ابتسامة مشرقة صنعت التناقض بغرابة عن أبسط التوقعـات لردود فعل طبيعية قيـاسا على ما مر به من ألوان رعب المشاعر وكان يعاني منها قبل دقيقتين فقط وقبل ان يرجع بخطواته العشر الى الخلف!
فالطبيعي أن تـنتزع كل خليـة نفسها من بدنـه المكابر وان تنطلق مبتعدة عنه ومهرولة كل بمفردها نحو ذلك الضوء ابتهاجا، بل الأولى أن تنطلق جميع خلاياه محلقة عن نفسه المختالة بأقصى السرعات الى مصدر الضوء هذا، ولكن! ما حدث أنـه تمكن من كبح كل جموح بغرور وأزداد تماسكا وثـقـة، والأصح غطـرسة على كل واقع وفرضية، ليقف بشخصيته العجيبه أمام الدكان ممثلا الوقـار الأقـرب إلى الزهـو!
وبدأت عينـاه تتـفحص ما تراه بترفع وهو يشاهد ركاما من صناديـق خشب وكرتون بغير نظـام خارج المحل وفي المدخل مع بعض البراميل والأقفاص.
ابتسم ساخرا ومـلأ رئتيـه بالهـواء وزفـر باطمئنان ثم (نحنح) بأسلوب يحـاكي النبـلاء وليعلن به عن مقدمه أو وجوده، وقفزت لتلتصق من جديد على وجهه تلك الابتسامة المتكبرة بهزات رأسه المستنكفة مع نظـراته الاستعلاء الساخرة وهو يرى أمام عينيه وفي عمـق الدكان كـهلا نحيلا بخصلات شعر وعوارض كثة ويرتدي أسمال رثة ولكن حين يرفع عينيه فانخما تضيقان على بريق في نظرات هادئة متفحصة تصاحبهما ابتسامة وديعة ومرحبة، وقد قـعد فوق صندوق شـاي كبير الحجم وافترش تحته مرتـبـة من "الخيش", وما زاد من اشمئزاز أبو عبدالله هو ما يحيط به ويغطي كل شيء في المكان من طبقات سميكة من الأتربة والغبار!
وشاهد أمام الكهل صندوق شاي أصغر حجما أستـقر فوقـه صحن صغير مسـتدير توسط منه إبريـق شاي صغير جـدا كالـح من شدة القـدم وطول الاستعمال وكثرة الاستخدام ومسـودّ اللون بتراكم طبقـات متواية من سخام دخان الحطـب وشد بصره أن لاحظ الى جوار الإبريــق كأسا صغيرة أو "فنجان" شاي مملــوءة بالشاي وأخرى فارغـة، وهذا ما أطـال فيه أبو عبد الله النظر بكل تمعن حتى انـه ربـما نسي إلقـاء التحيـة على الرجل المضيف هذا ان لم يكن تناساها عن عمد!
ومع كل ذلك بـادره الكهل بـوجـه بـدا ودودا وبشوشـا وهو يقـول لـه بصوت مبتهج وعميـق النبرات وقـارا:
- هلا بالضيف, يـا هلا! حياك، حياك! أقْـدِم تـقهــو..
وأكمل مرحبا به:
- الظاهر انك "خرمان " شاهي، وأكيد! ما تخلا من "شوية" جوع!. وابشر يا الضيف بطيب الخاطر!

أستبشر أبو عبد الله في أعماقه كل الـخير بما سمعه وتقدم بالخطوات ذاتها وبنفس الترفع، فهو يرى أنه على المرء أن يحتفظ بمسافته الطبيعية مع كل إنسان وألا يتراجع عنها تحت ضغط الظروف المؤقتة وهي التي أوقعت فيه المخاوف، ودائما يرى تلك المسافات ويظهر هذه المشاعر كحق طبيعي متى رأت عيناه واقعـا أو حالا يرى فيها سوء حال الآخر والأوضاع البائسة من شدة الـفقر والأمراض والتخلف بأنواعه التي تنعكس عليه بما يشعره بالأفضلية والتفوق على ما حوله وتبزغ عنه الأحاسيس الرافضة لهـا ولهم مع رغبة جامحـة في التباهي.، ولابــد أنه يعيش الآن تلك الحالة ويحترق بطول الثواني الفائـتـة دون أن تحين له فرصة، فلابد أن يعلم هذا الكهل أولا بأن من يجلس أمامه هو من أهل الأملاك هنـا، وانـه ينتظر اعتبارات وواجبات وخدمات أفضل مما سيقدمه من واجب الشاي والعشاء، وحتما سيطلبـها لاحقا وبعد الأهم الآن! وهو تنـاول "فنجالا" من إبريق الشاي هذا وليس مهما ما يراه من القذارة فالشاي له سلطان لا يقاوم ورائحته الزكية تنتشر وتغزو أنفـه وبقــوة سلبت منه التفكير في أي رغبات وطلبات أخرى، انها فنجان واحدة وستعيد إليه كامل الطاقة والتركيز وتبعد عنه كل حس بالعطش والجوع وان مؤقتـا حتى يتقـدم ببقية طلباتـه الأكثر أهمية للكهل.
وتنبّه لوجود صندوق خشبي آخر أمام الكهل مباشرة يفصل بينهما الصندوق الذي قبع فوقــه الإبريــق وان الكهل ما زال يرحب ويطلب منه الجلوس بالإشارة على ذلك الصندوق، وقبل أن يجلس أخذ أبو عبد الله وقتـا في المنـاورة ليتفادى اتساخ ملابسه من الغبار بينما الكهل خافضا رأسه يرمقـه بأطراف عينيه مخفيا ابتسامة خبيثة لا تخلـو من الشماتة، وما إن أستقر جالسا حتى كال الكهل عبارات الأسف لائـما فيها الغبار والظروف وضيق الحال بالتسبب بإزعاجه.

"وتمـوضع" أبو عبد الله فوق الصندوق وأخذ يلـوّح بميدالية مفاتيح السيارة والمجموعة وبطريقة ملفته قذف بها على الصندوق إلى جوار الصحن كرسالة سريعة لها معنـاها، وطاف بصره لأول مرة بتمعن في أرفف الدكان، فغمرته الدهشة والتعجب مما يراه، فالرفوف القليلة تكاد تكون فارغة إلا من عدد من العلب ولا تتجاوز العشرة تتوزع على الأرفف ودون أن يوجد عليها من الظاهر ما يدل على ما تحتويه من البطاقات المكتوبة أو الألوان والرسوم، وتبين أن بعضها تنتشر عليها طبقات من الصدأ، كما لاحظ عددا قارب خمسة كراتين صغيرة تتوزع حولها وأيضا مجهولة الهوية والمحتوى مع أعداد مماثلة من الجرار الخزفية ترقد على الأرض وكلهـا أكتست مغطاة بالطبقات الثقيلة من الغبـار.
لاشك أنه قاسى هذه المرة بتكتم الضحك ويبقي في صراع ينتهي بابتسامات الشماتة التي تظل ذيولها عالقة حتى بعد
قراره بالمنع وذلك كلما وقع بصره على أحد أنواع هذه البضاعات العجيبة وهو يقول محدثا نفسه:
- واش أتوقع من خبل أحمق أنه يبيع ؟ وفي مثل هذاالمكان المعزول بين الخرايب؟ إلا مثل
هـذي البضاعة المصدِّيـة..

وبنفس الوقت كان الكهل يتفحص وجه ضيفه بعفوية وبنظرات تفيض بالبراءة والخجل وختـمها بقوله:
- اشرب شـاهي يا ضيف! ضيِّف نفسك! وأعــذرني لو ما صبيت لك بنفسي، فنظري وشوفي ضعيف ومعي
رعشـة بيديني..ما يوصلّ لك منها الفنجال وفيه نقطة ..

وأضاف وزاد بما أذهل أبو عبد الله ولكنه حقق له غاية المنى والمراد وكانت غير متوقعة:
- لكن أنت لا تستحي يا ضيف! صب لنفسك! فأنت ذا الحين .. من أعيان هذا المكان!..
وما أنت غريب يا الشيخ!

كاد أن يقفز أبو عبد الله من مكانه عندما سمع هذه العبارة لولا أنه شـعر بأن قلبه يقوم بذلك وهو يقفز في صدره طربا وفخرا بهذا الإطراء الغير متوقع!
ولكن البيع تم منذ ساعات فقط! و"الصك" أو وثيقة البيت ما تزال في الحقيبة! ولم تسجل بعد شرعا باسمه ورسميا حتى الآن؟

ومع تنبهه لهذا الأمر المحيّر راح يسأل نفسه بدهشه ويجيب بعلمه:
- لكن! ايش عرّف هذا المخرف إني اشتريت البيت؟
- أظن هذي ما هي غريبـة؟ فالجيل القديم وكبار السن عندهم" الحصافة والفراسة"! وأكيد عرفها "القحم"
من ملمح وجهي!

وشعر بروعة الإحساس بتلك العبارة عند سماعها لأول مرة وفي الحقيقة، ومن لسان إنسان! وذكرته بالبهجة والنشوة التي تثيرها الرائحة المميزة وكانت تعرك أنفه، فمد يده إلى الإبريق ليسكب لنفسه، فإذا الإبريق خفيفة الوزن جدا؟!
فهزّه بيده بحركات قياس خفيفة ثم رجّه ثم أماله ليسكب ما فيه، ولما تأكد من خلوه أبتسم وغلبته الرغبة بالضحك من سخافة هذا الكهل وقال له متهكما:
- يا عم! تقول لي تقهـو والإبريق فاضية ؟

فرد الشيخ بعفوية وبراءة:
- لا! لا ما يصير أبــد! أنـا توِّي مليته! وما شربت منه إلا هذا الفنجال، وتـوّه مليان بعـد؟ بس صب!
صبّ لنفسك يا رجال! لا يهمك الابريق، فيه الخـير، ومليان بالشاهي، تستأهل يا الضيف..


فـأراد أن يثبت للكهل سذاجته وقلة عقله فرفع بالإبريق المعدومة الوزن عاليا ثم أمال بفم الإبريـق إلى الكأس فـإذا بالشاي يندفع ساخنـا والبخــار يتصاعد منه بكثافة وطفحت الفنجان وهو في غمرة الذهول!
وبارتباك وضع الإبريق جانبا، فدهشته نبعت عن صدمة لم يرغب في سبر غورها، بل أغلق ستائر عقله بسرعة وسيطر على أعصابه وعللها كما خطط لمثلها مسبقا:
- فيه أشياء أحيانا ما تنفهم! والأمر بسيط! فالخطأ ما هو فيها! أو في الموقف! ولكن في اللي يفسرها!
لأنه غبي ما فهمها صح..

ولم يقل هذه المرة بذكائه! لأنه هزم في التفسير منذ البداية! ولابد أن يحتال فورا ويقنع نفسه بأي تفسير شرط ألا يفكر بما يعتبر خطوط حمراء وألا يفتح أي منفذ الى عمق عقله مهما كان الأمر، وراح يقنع نفسه بحجة يجب أن يصدقها ورغما عنه وهذا الأهم:
- المسألة ترجع.. قوة عضلات؟ فالإبريق صغير بالمرة وخفيف جدا، وأنـا في البيت متعود على رفع
الأباريق "الجمبـــو" الكبيرة والثقيلة الوزن!

أقتنع بتبريره هذا دون نقاشه وأحس بشيء من الراحة الكاذبة بما توصل إليه فضحك على الفور مقهقها مظهرا اعترافه بالخطأ ومعتذرا للكهل على ذلك اللبس الذي صدر عنه، وحمل الكأس بيده إقرارا والأبخرة ما تزال تتصاعد منها وبأكثر كثافة ووضعها على مضض جانبا لتبرد قليلا ولكن الكهل شجعه على الشرب: - اشرب! اشرب يا شيخ انت "خرمان"! خذ لك رشــفة على الأقل وبـلّ بهـا ريقـك اليابس!

ما كان ينتظر الا ذلك! فتوجهت يده بالكأس وهي تسابق الأبخرة المتصاعدة إلى فمه لأخذ تلك الرشـفـة "الحلم"!
والتي يهون في سبيلها. أخذ أقوى اللسـعات الحارقة وحتى "الاستواء".
فجــأة! وبعــد أول رشفة اتسعت عينــا أبو عبد الله أضعاف استدارتهما، لتتجمد تماما بعد أن أتبعها رشفة أخرى للتأكد فأخرى وأخرى حتى امتلأ فمه بالشاي!
فإذا به "يبصق" بجميع ما دخل فمـه جانبا على الأرض، ويقول بوجه عابس "ومكشـر":
- أخ خ خ " يع "! وش هذا الشاهي يــا عم؟
شاهيّك ذا ماصخ! ومثل الثلج؟ وين اللي توّك مسويه؟

ثم وفي قمة الدهشة:
- وبعدين ! وش هالدّخَنــَه اللي بالفنجال..؟ واللي كنـها مدخنة مصنع مع إن الفنجال ثالج؟!


وهنا! قرعت في داخله الطبول! وأحس بأنه وقع في المحذور والمحظور!!
وليتـدارك الأمر عـاد بسرعة إلى نظــامه الدفـاعي الخاص بالطوارئ وبأعلى مستوى! ليتقمص دروع المقاومة الذاتية لاستخدام كافة الوسائل؟
ومنها ما يعتمد على قلب الوقائـع والظواهر وجميع الثوابت والمنطق في سبيل الحصول على التبرير السريع!
وان كانت النتيجة لا منطقية أو غير مقنعة فسيجيزها وسيعتبرها الأكثر منطـقيـة وواقعية، ورغما عن أنفه وأنف كل الواقع والحقائق والنظريات!
فالجمرة الملتهبة سيعتبرها ثـمرة فراولة ناضجة ولذيذة شـريطة ألا يصل لعقله الفكر المحظور، لأن ما وراء تلك النقطة أو الخط الأمني ليس إلا ستار ورقي رقيـق، وفي اختراقه الفنـاء الكامل له، ولحسن حظه وجد في ما سيقوله الكهل تـاليـا هو نوع مهم من تلك القشات التي سيلتصق بهـا للنجاة حين سمعه يقــول له:
- الظاهر، إن التعب والعطش والجوع أثر عليك يـا ضيف؟ ولا يهمك! أبشر بالسعد يا الضيف
فالعشـاء زاهب والرَّبع بحرانا وينتـظرونـــك، يا الشيخ!وبعد العشـاء كل الأمور بتنصلح وما يصير خاطرك
إلا طيب، هيا تفضل..

ورد عليه أبو عبد الله متسائلا، وباستغراب:
- ويـن أتفضل يـا عم؟

فقام الكهل بتثاقل ومطّ ذراعيه مرات ومرات بالتناوب وبأشكال منوعة وغريبة من الحركات المضحكة! ظنها أبو عبد الله نوع من التلكؤ أو الخبل وقبل أن يتلفـظ عنها "بما هو خارج عن النصوص" أنطلق نحوه الكهل كالهرولة حتى وقف أمامه كخادم "خمسة نجوم" وهو يؤدي مبتسما حركات" الاتيكيت" الرسمية المهــذبة وينحني باحتـفـاء وتبجيل ثم طلب منه التقدم، وسار أمام ضيفه بهدوء وهو يكرر عبارات الترحيب: - أتفضل يا ضيف، حيّاك، حياك ! تفضل عند الجماعة! تفضل نورت البيت!
- شــم ريحة العشاء الزّيــن والبخور ؟

وتوقف أبو عبد الله للحظات مذهولا, وليتأكد من الوضع! فهو لا يرى أمامه حتى آخر الدكان أي باب أو منفذ؟
فقال بخجل ومبتسما وحتى لا يجد نفسه متورطا بخطأ ما عندما تتضح الأمور، بحسب فلسفته:
- وين أتفضل يا عم ؟ ما ني شايف لا باب ولا طاقة..

فقهقه الكهل :
- أنـا قايل ان المشي والتعب أثر حتى على شوفك، لكن ما تصدق "خشمك" وهو يشم ريح المفاطيح ؟

وضحك ببلادة وبتشكك سار مع الكهل وقد أمسكه بيده وهو يتابع:
- عطني يدك وامش معي، جنبي أدلّك ..إذا ما تصدق خشمك؟

وزاد هـذا من تمسك أبو عبدالله بالقشـة التي قـذف بهــا الشيخ إليه وهو يشم حقيقة روائح الطبـخ والشواء التي لا تقـاوم تندفـع من كل مكان مع أبخرة تتصاعد من ناحية ما في صدر الدكان الخالي حتى من الأرفف! وهذه لم تجعل عصافير بطنه تزقزق؟ بـل أمست وكأنها مزرعة ترقص بها الخيول أو غابة تركض وتـترافس فيها أنواع حمير الوحش والزرافات وقطعان العجول.

وبالرغم من عدم رؤيته أي بـاب أمامـه أو منفـذ فقـد أنقــاد كالمصدق بيـد الكهل وهو يؤكـد لنفسه أن خللا ما أصاب عينيـه بسبب الظـروف الصعبة السابقة والإرهــاق، فأصبح استقبـال بعض الحواس للحقائـق خاطئـا، فأنفـه أخذ يكـذب عينيه وهكذا! ولــذا لم يعـد موضوع الباب أو غـيره محـل نقـاش! فاستمر بالسير بغيبـوبة ذاتيــة الى جوار مضيفه مبتسما ومستمتعا بعبـارات الحفـاوة التي يكررها على شرفـه.
وكانا يسيران حتى اقتربـا من الحائـط والكهـل ما زال مستمرا بالمشي ويكـرر الترحيب! فأوشكا على الالتصاق! ثم التصقـا بالفعل بالجدار! ونفـذ الكهل من خلال الجـدار واختفى وصوتـه وصـداه مـازال يسـمعه أبو عبد الله يـتردد مرحبا به:
- " حيّــاك، حيّــاك! يا الشيخ!
- يا هـلا والله بأبـو عبد الله!"

أما أبو عبد الله الذي أرتطم وجهـه وجسمه بالجـدار وجــد نفسه بغمضة عين وحيـدا يستدير في غرفـة مظلمـة وجـرداء تمامــا من الأرفـف والبضائع والصناديق، ما عـدا البـاب الذي دخـل منـه فمازال مفتـوحا على الزقـاق المظلم بل لم يكن سوى مجــرد فتحـة واسعة بـلا باب ولا أخشاب!.

وبعـد هــذه الحادثة! أصبح كثـيرا ما يشـاهد هذا المسمى " أبو عبد الله " وهو يطـوف في تلك المساحـة الواقعة بين خرائب القريـة القديمة والمدينـة، ويتجول بين مقـابرها وبين الخـردوات ومقالب النفاية و"العشش"!
وقد يشاهد وهو يجلس في معظم الأوقات حتى في الظهـيرة جالسا بملابسه الممزقـة وأحيانا بدونها وهو مسترسل الشعر واللحيـة، وتحت أخشاب منصوبة وفوقها بعض" الخيش "وهو يكـوّم أمامه أكداسـا من الحجـارة والعلب وأكوام الأتربـة ويبـدأ بالعـدّ:
- هــذا مليون، واللي هناك مليونـين صاروا .. طعش ثلاثــين طعشات .. والرصيد .. كبير، كبير!!
- مع مصاريف.. تســعات وأربعات واثنين ....
- وهذا صار طعش مليون .. وتصير كلها طعشرون يا سلام!
- يا سلام على المـلايــون .. يا كثرها!
****
[/center]

_________________
"الســــاهي ابراهيـــم"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alsahi-6.forumarabia.com
 
كنوز بيت الطين!!
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عشــاق ليــــالي الـقمـر :: الروايــة والديــوان :: القصص : " الحكايات المسرحية"-
انتقل الى: