عشــاق ليــــالي الـقمـر
حيـاك في منتـداك! ادخل فورا أو .. سجل! وتصفح على مهلك.. وحاول ان تساهم لا تبخل وترحل دون ان تؤانسنا بمرئياتك! وهذي الزيارة مشكـورة! لكن لا تنسانا وعـاود، ولا تطــول! لانه في كل يوم جديد أكيد!! وحـيــــاك!

عشــاق ليــــالي الـقمـر

الحياة والانسان، خواطر ومشاعر ومعاناة! قد تحولها مخيلة المبدع الى.. لوحة عجيبة! مرسومة بريشــته أو بقـلمه بحروف سحرية تسطر لـنا .. رويـة أو .. حكاية مثـيرة أو .. بـأحـلى قصــيدة!
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  س .و .جس .و .ج  الأعضاءالأعضاء  دخولدخول  بحـثبحـث    
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» رسالة ترحيب بأبو سجا
الأحد ديسمبر 24, 2017 10:20 pm من طرف الساهي ابراهيم

»  رسالة من رؤية معاصر محاصر!
الأحد ديسمبر 24, 2017 10:15 pm من طرف الساهي ابراهيم

» ابو سجا يعود
الأربعاء أغسطس 09, 2017 7:26 am من طرف ابو سجا

» يا عيني لا للدمع
الجمعة يونيو 23, 2017 12:06 pm من طرف عاشق ليالي القمر

» الرؤية في زمن الطيبين أحلى!
الأحد فبراير 19, 2017 5:04 am من طرف ابو سجا

» أنا فقدت الرؤية بسبب ..
الأحد فبراير 19, 2017 4:24 am من طرف ابو سجا

» اليوم الرياض على اسمها
الأربعاء فبراير 15, 2017 12:41 am من طرف ابو سجا

» هي كذا الحياة وبغير ما تحلا
الثلاثاء فبراير 14, 2017 11:53 pm من طرف ابو سجا

» مكانك بدونك موحش
الخميس ديسمبر 15, 2016 12:41 pm من طرف الساهي ابراهيم

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط عشــاق ليــــالي الـقمـر على موقع حفض الصفحات
أفضل 10 فاتحي مواضيع
ابو سجا
 
عاشق ليالي القمر
 
الساهي ابراهيم
 
ورده مجروحه
 
مبسوطه
 
شمعه سهرانه
 
بنت افكاري
 
كازانوفا جده
 
د.ابراهيم جاسر
 
بدر عبدالله الغلث
 
المواضيع الأكثر نشاطاً
بسببك وبعض الناس!! لا يشق لي غبار!!
ما فيه غرفة دردشة؟؟
بداية المشاركة: أبأسألكم بس من غيــر زعــل!
عقيد والا تعقيد؟؟
الليل الطويل!
الرائد الاول!
رسالة لمصر بالخبر!
شيء عن جديد عاشق!
رحلة بالغيب
ألف ونِعم عليك! ومبروك!!
راحــة الارواح
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر

شاطر | 
 

 الرقص فوق القبور الجزء الثاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الساهي ابراهيم
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 73
تاريخ التسجيل : 14/04/2012

مُساهمةموضوع: الرقص فوق القبور الجزء الثاني   الأربعاء مايو 29, 2013 11:39 pm

فردوس فوق القبور

مع تباشـير فجر اليوم الذي قضت ليلته "أم سجا" وكان امتداد للعتمة والظلام الذي تعيش فيه طوال سنة مضت، وككل ليلة كانت تجثم على صدرها أثقـال كالجبال، وتعيش في ظلمة أعماقها التي تتجاوز مدى قدرة بصرها في حجبها رؤية أقمارها الساطعة أو لمعان النجوم لشدة عذاب النفس وعنــاء الوحدة، وكل واحدة منها كافية لقتلها كل ساعة بألف ميتة.
فلـيلـها الحالك دوما مليء بالأحزان ويشتد سواده بالكآبة والكوابيس، فلم يبقى لها من الماضي شيئا إلا الموت الذي تراه في كل صباح بعد أن دفن أهلها وأهل زوجها وأهل بلـدها، وما زال يفتك بهم بسيوف رجال الحاكم، ولكنها هذه المرة تفاجأ بما تراه على غير عادتها مع أنه لم يتبدل عن غيره في طبيعته وشكله، فتساءلت:
- ما هـذا الفجر؟!!
بـدا لها مشرقا على غير ما اعتـادت، وإن له شمس وسماء صافية بهيجة!
رأت بها أشياءَ وألوانـا أخرى أكثر متعة!
ولكن حقيقة الأمر أن التغير كان في داخل المرأة فقط!
فقد تغير فيها في هذا الفجر كل ما كان يلف هذه المـرأة من سواد الأحزان؟
ففي بطن تلك الليلة السوداء المريعة وقبل فجرها كان أن أقسمت المرأة بعد مسحت آخر دموع ليلتهـا وعاهدت الله بما أقسمت عليه، بأن تكون ليلتها هذه آخر دموعها حتى موتها!
فقد أدركت أن المصائب قدر محتم في حيـاة الإنسان، وأن وعاء البلاء والابتلاء لا ينضب، وأن الأحزان لن تـعيد لها ما كان وما فـقد، ولن يبني لها شيئا مما كان الا الأمل، فيجب أن تعيش كل زمانها بكل تـغيراتـه وليس من أجلها، فحياتـها سبق وكانت مرهونة برجل ومجتمع وبجماعات أهل البلدة والأرض التي يعيشون عليها، وتلك كانت هي حدود الحياة الدنيا الجليلة التي أصبحت فانية وهي جزء منها، فقد ماتت ودفنت مع ذاك الرجل ومع الجمع ولم يتبقى لها منهم إلا أرض هي مقبرتهم الكبيرة، ولكنها ستعيشها من أجل تلك النطفة البقية منهم، وهو الوريث الذي ستهبه كامل الحدود في بقية حياتها كاملة مع الأرض التي يتجسد هو فيها عنهم، وانـه هذا الصبي الصغير المسمى (سـِجا)!
فهذا المخلوق الضئيل الناحل وبعـد سنوات قليلة سـتجده واقفـا معها وبجانبها، يتحدث إليها بنسخته المصغرة عن أبيه وعنهم جميعهم، بسِماتهم، ولتسترجع به الأرض تفاصيـل الحياة فيها وحياتهم عليها، ولن تضل طريق عودتها متى شاء الله لها العود.
وقررت مع انفلاق ضوء الفجر ليطفئ ظلمة ليلتها سـتبدأ هي فيه بأول يوم في الإعداد، ليكون في منتـهاه هذا الطفل كأبيه الشجاع، وفي صورة رجال البلـدة الذين بنـوا جدرانها وحرثوا أرضها وغرسوا نخلها وزرعوا قمحها! ثم عاشوا السنين على ظهرها، هي لا تريده أن يكون سـندا لها في الحياة بل عنوانا واسما حيـاً، للأرض وأهلها.
سيكون هو بـذرتهم فيها، وسينمو عليــها وينتشر الخــير، لأن الأرض سـتسقيه العظمة من ماضيها وستسري في دمه كل قوة وبسالة أريقت وسالت عليها وارتوت بها في بحثها عن حـقها في الحيــاة والمجد والكرامة.
نـعم ستنمو البذرة على الأرض وتنتشر وتتفرع وتـغدو "فردوسا" بعـد أن أبـاد جحيم الحرب كل أخضر عليها، ورأت أنها لن تنضـج وتـورق وتثمر إلا متى أخذت حقها بالعناية الكاملة وترتوي من كل الموروث والمعرفة، وتتشبع من هذه الأرض بحميد الأخلاق وبصفات الرجولة الحقة ومبادئهــا وحتى يظل قـادرا على الاستمرار بالنمو وفي وقــاية نفسه في كل الأجــواء مهما ساءت الظروف. وفي قرارها كان أن عليها ومنذ هـذا الصباح أن تسـقيه أولى جرعات "الفطنة"! ليـتشرب بها "الحكمة"!
وبينها نـدوب الجراح التي تخلفت فيها من الماضي المرير، وظلت ليلها تنزف حتى فجر هذا اليوم الذي ستقوّي روحه بالصلابـة لـيتحمل أثـقال الحياة، فـلا تفت لـه عزم ولا ينكسر له قوام أو ينثني، وأن يصمد دوما بثبات عن السقوط وأن يقف قفزا كلما كبا أو سـقط.
وسيكون في رأسه وفوق رأسه موضع تاج الحكم والعظمة
وهو صنيع من الحلم والرحمة النابعة من عِظم القوة، فالقوة تجمع الأجساد بخاصيتها كمواد فقط، بينما الحلم والرحمة تجمع الأجساد مع القلوب!
.وسيتعلم أيضا الصبر، والثبات، ومنه ما يشق رياح الأيـام العاتيـة حين لا يتعلم متى وكيف ينحني، بل وكيف يروض قوتها لتكون له قوة! ولأنه يعرف مسبقا أن كل العواصف لا تدوم وللأبـد وأن الزمجرة يمكن أن تتحول الى مـواءً بالإحسان، وأن يستعد لأي صولة بعد كل جولة.
وألا يبكي كثيرا ويندب الأقـدار وعلى ما فـات، ولن يندم من يتخذ القنـاعة والمشورة صديقه الصدوق.
وبهذا وغيره قررت الشابة العجوز أن لن تعش بعد فجرها إلا لرعاية ولدها، ابن الأرض وأهل الأرض.
فلن تلتفت إلى الحياة من حولها، فحياتها والحياة بكليتها لم تعد تعني لها شيئا بلا أشخاصها ورموزها ومعالمها الحقيقية، وهي الفانية التي لم يتبقى منها إلا تلك البذرة الصغيرة التي ستغرسها في هذا الفجر وترويها وترعاها كأول نبتة تنمو بها متماسكة مع ما حولها من أشجار لتحول أرض المقـابر الى فردوس يضج بحياة سعيدة"
وظهرت لسجا ابتسامتـها أكثر إشراقا مما سبق من شموس الصباح، فتعلم منذ ساعة بالملاحـظة درسا هاما وهو عن أهمية دفن الأحـزان سريعـا كسرعة دفن الأموات، والعواصف الهوجاء كالأحـزان نحني احتراما لجبروتهـا ودون انبطاح أو نـوم لأنها لا تدوم، وعرف أنه يجب استنباط الحق والحقيقة والحكمة من تجربـة واختبـار الواقـع بالعقل بـذكاء، ولم تعد بعد اليوم بحاجة لأن تـعوده على الوعـظ والسرد والمـج بالكلمات ليرددهـا ببلاهـة، لأنها جوفـاء لذلك تكون طنانـة أو رنانـة وتذهب مع ذهاب الصوت مع الهواء.
فـما أن رآها ابنها مبتسمة ذلك الصباح حتى اختفت من على وجهه نظرات الحزن والخوف التي تتجسد له كل يوم بالهول وبمرارة كل الأمس، والتساؤل المحموم عن المجهول بحاضر اليوم وغـده، فكل تلك الأحزان والهموم كانت مقروءة عن ظهر قلب -حتى البارحة-لأنها مطبوعة دوما على وجه أمه، ولكن هذا الصباح كان حقا يوما جديدا، حمل تلك الابتسامة الجديدة المشرقـة، وفيه الحيـاة الجديدة تشع بعينيـها من جديد، فأحس أن كل الأحزان لا تدوم، بل يجب ألا تدوم طويلا! ومع الفطنـة تقتنص الحكمــة، وتلك هي أول أسس الرجولـة الفذة. وأخذت الأم تلاطف ابنها بقلب خليّ لأول مرة بعد أن أكلا ما تيسر من الطعام بطعم جديد، وأحسّا بمتعتـه مثل يومهم الجديد هـذا، فقالت له مبتهجة:
- سجا! يا سعد أيامي! ان "الشيخ عبد المعين" سيفتح بيـته ليعلم الصغار القـراءة والكتابة، وأشياء كثيرة!
وتعلم بأن ليس له أولاد ذكور وستكون لديه كأحد أولاده،
وسآخذك إليه كل صباح في طريقي إلى السـوق، إذا كنت ترغب ذلك؟
- لأني سأعود لبيع ما كنت أبـيعه من قبل من البضائع قبل أن تنفذ مننا منحة المحارب الشهم.
فرح سجا بما سـمعه، وقفز يقبـل رأس أمه، فهي تجربة لحياة جديدة سيعرف بها أنـاس وأشـياء جديدة غير جدران الدار، فهو لم يبتعد عنها عن أبيه أو أمه طوال الأيـام الماضية سوى أمتار قليلة.
و في اليوم التالي ذهبت به الى بيت الشيخ، الذي أعجب بالطفل ووجد فيه من الذكـاء ما سيسهل أمر تعليمه، بل أصبح يعتمد عليه لاحقـا كمساعد في تلقين بقيـة الأولاد.
وبعد شهرين اتخذت أم سجا قرارا آخر، خطيرا، بعد أن عانت هي كثيرا قبل أن تحزم أمرها على تنفيذه، فقالت لـه ذات مساء في حديثٍ قبل أن يناما:
- يا ولدي سجا، أوصاني أبوك بأنه يريدك أن تكون رجلا قويــا مثله، وشجاعا، وهذا لن يكون إلا إذا تعلمت الحياة من الرجال، بمشاركتهم، فهل تريد أن تكون كذلك وتسعدنا؟.
فأجابها بحماس وتلهف:
- نعم يـا أمــاه! ولكن كيف؟
فرحت لاستجابته السريعة وبحماسه:
- الأمر سهل جدا، كما ابتدأ أبوك، بالحطابة، فهل تحب أن
ترافق جماعة الحطابين؟ أتريد أن أتوسط لك بالأمر مع العم "ابن ثابت"؟ فالرجل يحب أباك وسيسعد بك..

وفي يوم آخر بشرته بموافقة " ابن ثابت" ورفاقه، وقالت مداعبة:
- ستذهب معهم أسبوع وتعود بشوارب أكبر منهم.

ضحكا في ذلك اليوم ومن خلال ذلك كثيرا وكانت توجهه وتعلمه ما يجب وما لا يجب فعله في مثل تلك الإسفار، وكيف يكسب محبة الرجال.
أما أبن ثابت فهو الوحيد من رجال البلدة الأصليين والقلـة الذين تـعرفهم أم سجا، وكبـائع مـثلها في السوق، وتثـق به كثيرا وبأخذ ابنها معه للاحتطاب خـارج الأسوار، وهو لم يوافـقها إلا بعد أن أطلعته على دوافعها وأقسمت عليه.
فصغر سـنه هذا سيكون أول مانع لأي حطاب بأن يجازف بأخذ طفل في مثل سنه، لما في هذه المهمة من المشقات التي تفت من عزيـمة بعض الرجال، ولقطـعهم مسـافات طويلة في الصحراء ثم في صعود الجبال الشاهقة إلى جانب مشقات عملهم في قطع جمع الحطب، إلى جانب الأخطار في الإحراج وأجواء الشـتاء والصيف القاسـية، وقـد يبيتون في العراء لليـلة أو أكـثر قبل أن يعودوا للبلدة وهم يحملون على ظهورهم وعلى الحمير ما استطاعوا من الحطب، ورغم هذا وذاك اتخذت أم سجا هـذا القرار الصارم عليها وعلى طفلها ووافق الرجل لمعرفته "بالسـر الغامض" وراء طلبها.
ودأبت المرأة تعـدّ له صريرة صغيرة من التمر وشكوة صغيرة من الحليب أو اللبن الرائب إن وجـدت منه شيئا وألا فالمـاء هو الرفيق مع شيء من الأقط أو أعواد من سنابل القمح الخضراء في المواسم ليشويها على النـار، وكانت تفعل كل ذلك قبل كل رحيل له للحطب أو للصيد وأحيانا لجمع كمأة الأرض، وهي مبتسمة في الظاهر وفي حقيقتها كانت تصارع نفسها باستماته لتكبح جمح أعماقها الرافضة بقسوة ولطرد عواطفها المتخاذلة تدفعها الى ذلك بكل قوة هواجس ما تخفيه من "سر" .
فحين تتزاحم عواطف حنانها لتثـنيها وتدفعها للتراجع ليـبقى في أحضانها حتى آخر لحظة في حياتهـا القصيرة، ولكنها تجد نفسها عنـد فجر كل يـوم رحلـة عمل تقف به على باب الدار ليأخـذه الرحالة عنـد مرورهم، وتـودعه مشجعة وهي تظهر له فرحها وسرورها بذلك، متحدية دواخلها التي تـنزف داميـة بالــداء وتــود لـو تفـتديه بحياتها وأن تعود بـه للدار وتظل تحتضنه على صدرها ولا يقاسي مشـقة ســاعة من يومه ذاك، بل تظل تركض وراءهم خفية وعن بعد مسافات طويلة قبل يهلكها السير وتعود تجـر أذيـالها وهي تكبح الدموع.
تصابر نفســها وهي أكثر حذراً ألا تخـون عهودها مع الله بدمعـة مخادعة تسقط على غرة منها.
لم تكن تأبـه لما سينـاله من عطـاء أو ما يقتسم معهم، بل هدفها أن تعطي غرسـتها الفرصة لتنـمو وتترعرع برعـاية صعاب الأرض، فيكتسب مقدرة تحمل الرجال للتغلب عليها، ومنـها يكـتنز مفـاهيم ومعارف من سبقوه سـنا.
فهي وطفلها أصبحـا اليوم يتيمـين في الحيـاة، بعد فنـاء جمـيع
أهلهم واختـفاء معارفهم، وسـتجهزه قبل أن يكون في أيــام قريبـة أكـثر يـتمـًا برحيلهـا، هي؟.
وكم كانت سعادتها لا تتسع لهـا دنيـاها التي تحيط بها حين أخذت تسـمع من الذين يرافقهم سجا بالغ سـعادتهم به وبرفـقـته التي لا تُمل، في نشاطه وذكائه واعتمادهم على بعض آرائـه بالإضافة لأدبه وحسن أخلاقه، بل أصبحوا يسعون إليـها ليطلبوا منـها صحبـة الصغير لهم في كل مهمـة.
وما ان يقبل الغروب على فهؤلاء الرجال بعد نهـار طويل من العمل حتى تبدأ أنفسهم بطلب الراحة ومتـعة ذلك اليوم لنسـيان ما مرّ بهم من إرهاق وتعب، وعندها يحلـقون حول النــار بالغنـاء لشواء ما أدركوه من الصيد أو سنابل القمح التي يحملونها معـهم أو ما خبزوه، وكثـيرا ما يصطادون بالحيلة ما جاز لهم أكله من دواب الأرض كالجرابيع وغيرها، وهذا الصغير يجد بينهم كل المتـعة في التفكر بما يتحدثون به ويروونه من أخبار وحكايات وغالبا ما تدور عن الأخلاق وكرم الضيافة والشـجاعة والكياسة وحسن المعامـلة والمقدرة على التصرف في المواقف، وبها غـذي نفسه بأسس الرجولة، ويفتح أذنيه ولا يعلق على ما قد يتهامس به البعض عن مصير أو شجاعة أهل البلدة وعن الظـلــم والمظالــم التي تـقع على بعض أهـل البلــدة والعنــاء في أنفسهم وعلى وأملاكهم وأعراضهم.
وأمـا عن يوم " أم سجا" فهو ككل يوم حتى آخر النهـار تظل عيناها تنبش آفاق البـلدة وحتى الصباح التالي كالمهووسة، ولا يستقر لها جنـان حتى يلوح سوادهم من البعيد، فتنطلق نحوهم تنهب الأرض بقدميها حتى تصلهم لتضمه وتحـدق في أعماق عينيه طويلا فمنهما تعرف كم كان سعيدا بأيـامه، وأعظم سـرورها به وهو يودع رفاق الرحلة بمظهر وأسلوب الرجل الكبير وهم يودعونه بكل الحب وبالدعوات، ثم تنظر مرة أخرى إلى عينيه مبتسمة وترى سـعادته برؤيتها وشوقه إليها، فـيعودان إلى الدار تحيط بهما سحب من الفرحة وهم يرفرفان بأجنحة الرضا.
لقد مرت ثلاث سنوات حتى الآن على أحداث البلـدة الدامية، وقد تكون خلالهـا "أم سجا" والظروف قد غـذّت روح ابنـها وعقله بأكثر مما يبدو أنها غذت جسمه، وهذا لم يكن تقـتيرا أو توفـيرا! رغم أن البلـدة الآن أصبحت ملاذا للهو المريـع والفـقر والجوع، حتى أن الوبـاء قد سكنها وأتخذها دارا يقـيم فيها أفـراحه، بل كان هناك شيء في نفسها وتـريـد أن تصـل إلى نتيجة ما تهــدف إليه في ابنها وبأسرع وقت، كما أن بركة مال " المحارب الشهم" ما تزال تضخ لها في التجارة رزقا كريما. ولم تكن لتهتـم كثيرا بمن رمـاها بالحمق لإرسالها الطفـل إلى الفيافي والجبال، فهي التي تجهد نفسـها وتعاني من هذا وتضحي بالكثير، حتى وكأنـها توفر في الزفير من أنفاسها عنـد وداعه ولقائه للـيــوم القادم الآخر، وكي لا تنهار في مثل تلك اللحظات دفاعاتها قبل الموعد الأفضل، وهناك" السـر" الذي يقلقـها! فهي كل ليلـة تقع فريسة بين براثنـه، وترى فيه ومنه بحق أن النهايـة الخطيرة المرتقبة وشيكة، وأن الزمن لن يطول بها حتى ترى ابنها في الصباح أو حتى انتـهاء المهمـة، لن ينتظر بها العمر حتى اكتمال نمو هـذه الغرسة، وهي تؤمن بأنه عند تلك اللحظة لن يكون لها أي سـر! والسر الإلهي القادم أكبر، وهو أسرع!
فمنـذ مـدة اكتشفت "أم سـجا" بقـعا من الـدماء تخرج كثيفة من داخل صدرها، وبعد كل نوبة سعال، والآلام تعتصرهـا وتوقد الحمى بعظـامها وأطرافـها حين تمسـي وتظل تجلدها وهي تجالد كل ليل حتى شروق الشـمـس، وتستمر البقـع في الكبر والآلام في التضاعف لحين يستيقظ ابنها لـتدفن كل ذلك بالنـظر فيهما طويلا بلهفة ومتـعة، فلا علاج لها سوى النظر إلى وجـهه البريء وفي عينيه الحالمتـين بعمق بما تحمله من الآمال، فـتـقـفـز عنـدها من الفراش لتـعد له الطعام وتـعدو هنـا وهـناك حتى المساء ناسية كل آلامها لحين يخيـم الظـلام ويضطجعان وما أن يغمض عينيه لينام حتى تغـلق وتحتجب تـحت أجفانه أبواب سعادتها، لـتبقى ليلتها تسهر وتصارع الموت البطيء وتستعجل الصباح لـيفتح لها عينه وتستنجد بما فيها من تريـاق الشفاء الذي سيمتص الصديد المؤلم ومعه حمى الأورام وما تنفثه من أنواع السـموم، وتسأل نفسها كل صباح بجزع:
- ما بال جسمه الصغير لا ينمو بسرعة عقـلة وكحجم الوعي بقلبه؟

ولكن عزاءها أن جسمه الصغير يحمل بالفعل عقل وروح الرجل الكبـير.
وفي ليلتها البارحة هذه كانت تسـتعجل الفجر من شـدة عنائها وازدياد وطأة المرض ولتوقظ ابنها كالمعتاد لتزوده هي هذه المرة بما جهزت له مما يحتاجه ليشارك الحطّابة في المهمة الجديـدة، ومن المعتـاد أن يكون جاهزا على الطريق في انتظار مرورهم كلما عزم على الخروج معهم، وبهذه الطريقة يعرفـون إنه سيشاركهم الرحلة، واذا لم يجدوه فيواصلون السـير دون توقف تحسبا أن يكون عدل عن رأيه لأي ســبب، فـهـذه هي علامات الاتفـاق التي تسـري دومـا على كل من يرغب بالمشـاركة من أهل البلدة، فيجب عليه أن يكون جاهزا على الطريق عنـد مرور الجمع. وتنبـه سجـا قبل الفجر أكـثر من مرة، ورأى أمه ما زالت نائمة، فيـتأفف من طول ليل الشـتاء ويتكوم في دثــاره من البرد يداعب النوم، وأخرج رأسه في أحد المـرات ليرى ذلك الخيط الذهبي اللامع الذي يشـق فضاء ظـلام الغرفة من ثـقـب في جدارها المبني بالطين اللبن. فـقـفز من فراشـه مذعورا! ذلك يعني أن الشمس قد قطعت شـوطا في السماء ومن النهار، وأن ركب الحطّابة لاشـك قـد وصل منتصف الطريق، فهرع إلى باب الغرفـة ليتأكد من أنـه كان يحلم، ولكنه وجد أن الشمس قد اعتلت سلّم الضحى فرجع الى أمه منكسر الخاطر لضياع الرحلة، وراح يوقـظـها بصوت حزين:
- أمــاه! استيقظي! لقد رحلت قافلة الجماعة!.
وعجب من أمر أمه! فهي وأن تمكنت من النوم فإنها سريعة التيقظ والانتباه ولأبسط حركة! لذا شك بأنها
ربما تـدعي النوم:
- أمـاه! كفاك تلاعبا، فقد نجحت خطتك ورحل الركب! فهيا بنا!
- هيا! سأصحبك اليوم الى عملك في السوق، قبل الذهاب لكُتّاب والدي الشيخ عبد المعين..

فأجابه صمت الفراش والدار!
وعاد يهزها من جديد مداعبـا، ولكنــها لا تتحرك ولا تنطـق! فأخـذ بيأس يتوسل إليها أن تستيقظ أو تتحدث معه!
فـلم يرد عليه أيضا سوى صمت الموت.
فكشف عن وجهها ليقبلها فحتما ستستيقظ بقبلتـه، ولكنه رأى في وجه أمـه ما أخافه، فعيناها شـاخصتان، وخيط عريض من الدم الأسود سـال من فمها في بركة سوداء تجمدت وجفت على وسادتها، وقـفز صارخـا وأنطلق إلى الشارع مستنجدا بالمــارة، ويـطرق أي بـاب، وأي شـيء وهو يستغيث:
- أسـعفوا أمي، أمي تنزف ! سـتموت.. لا أريدها أن تموت!
وما هي إلا دقائق حتى التهمته حشود الناس، وظل يومه يسـير بأمواج من نسوة ورجال تتحرك به وأمام ناظريه بسرعة وبـطء وكأنهم يقدمون من عالم آخر، وهو في ما يشبه الغيبوبـة. ولم يتنبه أو يخرج منها إلا عندما أقتحمها صوت يكاد يعرفه وأحبه مخترقا عليه الغيـبوبة ويــد حنونـة تـمسح على رأسـه:
- الحمد لله. هـذا ولدي سجا، أهلا بـك يا ولدي، تهديك أمك تسلم عليك، وقد أوصتني بك قبل أن تسافر
لمن يعالجها في البلدة المجاورة ، وتطلب منك أن تبقى عندي في بيتي حتى ترجع إليك..
وتابع بصوت حنون:
- وأنت ولدي منذ الساعة.. حتى تلك الساعة التي ستأتي فيها أمك لتأخذك الى للبيت.
وبالكاد! تنبه تماما لهـذا الصوت الوديع المألوف فإذا بوجه الشيخ (عبد المعين) المشـرق بابتسامته ونظراته الرقيقة المشفقة دوما تمتص جميع أحزانه وهمومه وفي لحظات وكالسحر وليشاهد الآخرون بقية النهار بين أحضان الشيخ يبتـسم لمداعبته وملاطفـتـه كما لو كان في أحضان أحد أبويـه.
ففي هذا اليوم أحتضنه وتكفل به الشيخ "عبد المعين" وكان القرار مسبقا بين الشيخ والأم حين علم بمرضها، وكان الشيخ في يوم وفاتها يسعى لأن يهـون على الصبي خبر وفـاة أمــه بطريقة متدرجة، فـقال له بأنهم أخذوا أمـه الى من سيعالجها في بلدة بعيدة، وستعود عندما تشفى، ولكن" سجا" هون الأمر عليه في اليوم التـالي بأن قال:
- أبي الشيخ! أنـا أول من علم بموت أمي! وأن أمي الساعة مع أبي بين يدي الله : رحمهما الله! مع جميع أهل البلدة ..

دهش الشيخ! وظل ينظر شاخصا في عيني الطفل المغرورقة ولكن وجهه هادي القسمات، فطفق يحضنه بقوة الى صدره والأعجب بأن الطفل كان هو من يهون على الشيخ الحزن والمصاب وهو يمسح ما يهل من دمع عن عيون الشيخ، وبعد برهة من الصمت رفع الطفل رأس الشيخ بعفوية لينظر ربما الصدق في عيني الشيخ وكان يسند رأسه بكفه على متكأ في مجلسه:
- ولكني لا أعرف يا أبي الطريق كي أذهب إليهم الساعة!!
وكانت هذه المحادثة وهذا الحوار الصادق هي البوابة التي دخل منها الشيخ الى قلب الطفل ليعرفـه حقيقة الحيــاة وأسرارها التي كانت غامضة بالنسبة إليه.
وعاش "سجا" بعد ذلك وتربى في بيت الشيخ عبد المعين ووجد فيه من تشاركه طفولته، إنها " لـهـود" ابنـة الشيخ الوحيدة. فبأمر الله لم ينجب وزوجتـه "سلمى" غـيرها، ولم يشاء أن يـتزوج من أخــرى، لأنه لا يريد أن يـغير هذا القدر وما قضاه الله، بل شكر الله أن أرسل إليه هذا الغلام ليكون له ابنـا لمشيئته بأن يكون هو أبـا لهذا اليتيم، فكانا كلاهما لكليهما فضلا من الله.
وتعلَّم سجا في مدرسة الشيخ الكثير، حتى أصبح هو لديه الأكثر ليعلمه لغيره من أبنـاء البـلدة الذين سحرهم بمعرفتـه وذكائـه ودماثته، واتخـذوه قـدوة لهم ثم إمـامـا.
وفي ذلك البيت الصغير والفترة القصيرة التي عاشها سجا مع تلك الأم المتفانية كانت كافية ليتعلم أسس القواعد الهامة وخطوط الثوابت لحياته، مع ما غرست فيه من بذور الألمعية في الفهم والفطنة للمراحل الأعلى من أجمل المثاليات، والجسارة والقدرة على الاستفادة والإفادة وفن المشـاركة الفـاعلة مع الغير وبذل المساعدة لهم في المواقف، أما ما أصبح يعيشـه لاحقا في بيت "الشيخ عبد المعين" فأكتسى بها من أبـوة الشيخ العالم مما فيه من الورع وأكتسب الخبرة في استنباط الحكمة والصواب من رجلها المتمرس وهو رجل أصيل من أهل البلـد ولكنه أستطاع مع قلة من رجال البلدة بذكائه وحكمته أن يفلت من مـجازر ومقاصل الحاكم وعدوانية المحاربـين، بما خلق حوله من هالات النقـاء والصدق والثـبـات على المثاليات والنزاهة والتوهج بمقدرته فائـقـة على تبني المواقف السديدة الرؤية مع المرونة لتلافي الوقوع في الترهات وتجنب المخاطر والشبهات وإبعادها عن من يتصل به من أهل البلدة، وأخفت قوة تحمله بالصبر على التعايش مع كل الظروف واستباق كل الاحتمالات والمكائد والشكوك وجعلها دوما لصالحه.
وأصبح الطفل مع الأيام شابا ورجلا مؤهلا وممتلئا بالجدارة ليكون مسـاعدا نابغـا للشـيخ في التعليم وحب التعلم الدائم الذي ظفر منه أيضا بالتفرد في تشرب روحه لعلم وفن القيـادة، كسب بها صداقة وحب الكثير من الطلاب والعامة من الناس ودون لفت الأنظار اليه وظل يغربل العديد من تلك العلاقات والأشخاص ليستخلص ولاء صفوة قليلة من الشباب المخلص والموثوق في القضية الخطرة التي تهمهم كأبناء البـلـدة الأصليين وانهم ورثوا المسئولية الكبرى لاستعادتها من مغتصبيها ولا يعني ذلك سوى الثأر الحقيقي ممن ملأوها بالقبور، وبايعوه بأرواحهم حين وجدوه أمينا وصادقا وقوي الإرادة، وهو حكيم وموهوب لتولي زمام قيادتهم إلى الهدف وهي التي مكنته من أن يبدع في إبعـاد المخاطر والشكوك وهو من تربى على يد الشيخ عبدالمعين، فتولى مسئولية نمو الثمرات في كل البراعم الجديدة في الشجرة الأصيلة، واستبعد بذكاء بارع ضعفاء الإرادة والنفس وتخلص من الوشاة والمحتالين وتحاشي لدغات عقارب النميمة حتى يتحقق حلم طرد المحتلين واسـترجاع الحقوق المسلوبة في الأرض وفي الحيـاة. وتجرأ في السر من في الشـتات والهرب للتحرك والاقتراب خفية وبحذر من مشـارف الوطن، وكانت سمعته ورسائله الخفية وراء كل ذلك، وتعسكر الغالبية حول السور متنكرين كطامعين بعطايا الحاكم ومحبين للغناء والرقص بينما دخل منهم أفراد هامة كثيرة بشتى الوسائل المحكمة السرية والمدبرة بتكتم شديد واختفوا في البيوت والمقابر المهجورة، وفي تلك الغفلة بغرور القوة وكانت كوباء الزكام ولم تشـم السلطة ورجالها أي نوايـا فتُضرَب حركتهم في مهدها، وزاد استفزاز الجان في تلك البيوت والمقابر لتستمر سـياسـة "الرقص فوق القبور" لإلهاء المحاربين وزاد الطلب بالإكثار من الرقص والراقصين.

وكانت سنوات من العمل الصامت والتخطيط والاستعداد كفيلة بأن تجعل القائـد "سجا" ينجح بـدهاء من حجب أعين السلطة ويضربوا ضربتهم المفاجئة القوية من الداخل والخارج بينما الرقص يشتد في الساحات مع توافد الكثير من الراقصين وغسلت أرض البلدة بدماء الثأر من القتلة وتراكضت باقي فلولهم الى البوابات تنشد العودة من حيث أتت وكانت في الظلمة خارج السور تستقبلهم سيـوف المترصدين أو أبلعتهم أفـواه الصحارى الجائعة.
وأعلنت في البلدة في أيام تالية أفراح جديدة حقيقية تراقص فيها الراقصون بجنون ولكن ليس لطرد الأشباح من قتلى البلـدة، بل كانت رقصات النصر التي تراقصت لها الأرض مع ومعهم كانت تتراقص الأشباح فرحا بأبنــائها من أبناء البلـدة افتخـارا بهم لأخذهم الثأر لدمائهم واستعادة أرضهم المسلوبة والتي تحمل في باطنها رفاتهم، لتبقى لهم إرثـا أبديـا لمن بعدهم ولتزرع الأرض من جديد بالحب وبالولاء والوفاء وأن يحذروا الغفلة والغـرور "، وبالجهد ستغـدو مع الأيام كقـطعة من "الفردوس على أرض القبـور".


[/size]




_________________
"الســــاهي ابراهيـــم"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alsahi-6.forumarabia.com
 
الرقص فوق القبور الجزء الثاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عشــاق ليــــالي الـقمـر :: الروايــة والديــوان :: القصص : " الحكايات المسرحية"-
انتقل الى: