عشــاق ليــــالي الـقمـر
حيـاك في منتـداك! ادخل فورا أو .. سجل! وتصفح على مهلك.. وحاول ان تساهم لا تبخل وترحل دون ان تؤانسنا بمرئياتك! وهذي الزيارة مشكـورة! لكن لا تنسانا وعـاود، ولا تطــول! لانه في كل يوم جديد أكيد!! وحـيــــاك!

عشــاق ليــــالي الـقمـر

الحياة والانسان، خواطر ومشاعر ومعاناة! قد تحولها مخيلة المبدع الى.. لوحة عجيبة! مرسومة بريشــته أو بقـلمه بحروف سحرية تسطر لـنا .. رويـة أو .. حكاية مثـيرة أو .. بـأحـلى قصــيدة!
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  س .و .جس .و .ج  الأعضاءالأعضاء  دخولدخول  بحـثبحـث    
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» وضع المنتدى وهو نسخة عن الواقع
الجمعة سبتمبر 21, 2018 5:31 am من طرف ورده مجروحه

» رسالة ترحيب بأبو سجا
الأحد ديسمبر 24, 2017 10:20 pm من طرف الساهي ابراهيم

»  رسالة من رؤية معاصر محاصر!
الأحد ديسمبر 24, 2017 10:15 pm من طرف الساهي ابراهيم

» ابو سجا يعود
الأربعاء أغسطس 09, 2017 7:26 am من طرف ابو سجا

» يا عيني لا للدمع
الجمعة يونيو 23, 2017 12:06 pm من طرف عاشق ليالي القمر

» الرؤية في زمن الطيبين أحلى!
الأحد فبراير 19, 2017 5:04 am من طرف ابو سجا

» أنا فقدت الرؤية بسبب ..
الأحد فبراير 19, 2017 4:24 am من طرف ابو سجا

» اليوم الرياض على اسمها
الأربعاء فبراير 15, 2017 12:41 am من طرف ابو سجا

» هي كذا الحياة وبغير ما تحلا
الثلاثاء فبراير 14, 2017 11:53 pm من طرف ابو سجا

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط عشــاق ليــــالي الـقمـر على موقع حفض الصفحات
أفضل 10 فاتحي مواضيع
ابو سجا
 
عاشق ليالي القمر
 
الساهي ابراهيم
 
ورده مجروحه
 
مبسوطه
 
شمعه سهرانه
 
بنت افكاري
 
كازانوفا جده
 
د.ابراهيم جاسر
 
بدر عبدالله الغلث
 
المواضيع الأكثر نشاطاً
بسببك وبعض الناس!! لا يشق لي غبار!!
ما فيه غرفة دردشة؟؟
بداية المشاركة: أبأسألكم بس من غيــر زعــل!
عقيد والا تعقيد؟؟
الليل الطويل!
الرائد الاول!
رسالة لمصر بالخبر!
شيء عن جديد عاشق!
رحلة بالغيب
ألف ونِعم عليك! ومبروك!!
راحــة الارواح
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر

شاطر | 
 

 دحـــلة الـجن!

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الساهي ابراهيم
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 73
تاريخ التسجيل : 14/04/2012

مُساهمةموضوع: دحـــلة الـجن!   الأربعاء مايو 29, 2013 11:50 pm

يـوم في دحلة الجـنّ

في أطراف الشمال من " شعب عامر" ينحـدر واد ضيـق يسـمى منـذ القدم بشِـعب (دَحْـلـــة الِـجــن)، والشعاب هي الفروع التي تصب في وادي مكة الكبير، وهــذا الشعب ينحدر كغيره من الشـعاب الموجودة على الامتـداد الجبـلي الأسـود الشـامخ من الرأس المسمى "جبل أبو قبيس" وهو الجـزء الذي يكمـــل السلسلة الجبليـة الجاثمــة كطود واحد مع مجموعة جبال " الفاقـد والخنـدام " التي تشرف على (الحرم المكي والكعبة المشرفة ) ومحاذية لوادي "الأبطح " ووادي مكــة الأشهـر، وتـحدرت عن مجموعة الجبـال العديد من الشـعاب المختلفة الأحجام وفروعها، وأهمــها وأكبرهـا نزولا الشعبان المشهوران " شـعب علي" و "شعب عامر"، ثم شعب دحلة الجن!

وحـارة شعب عـامر هي الأكـبر حينها وتعتبر هي الأم لحـارة "شعب الدحلـة" الذي يرقد في ظلال الجبل المسمى بالأسود أو جبل أبو قبيس أما حارة الدحلة وهي حـارتي وبها مسقط رأسي فاسمها بالكامل (حارة شعب دَحْلـَة الجِنّ)، ولكنها أصبحت تعرف باسم "حارة الـدَّحلـَة" فقط بعد أن نُسـى اسمها القديم "شعب دحلة الجن" فيمـا بعـد أو أُغفل عن عمد وترصد، لكراهة، أو كيدا ونـكاية بالجن!

فأنـا لا أعرف حتى اليـوم سبب تسـمية الشعب بذلك وعلاقتـه بالجن، ولكني أتخيل أنـه كان مستوطنــة قديمة خاصة بالجن قبل ظهـور الإسلام، وأتذكر أن موقع "مسجد الجن" المشهور بحكايتهم مع رسول الله (ص) وهو غير بعيـد عن الحـارة، فأتخيــل أنهم سـكنوا هذه الدحلـة أو الشعب واتخذوها ولايـة أو عاصمة قبل إسلام بعضهم ورحيل البقية التي لم تسلم عنه وبلا رجعة بعد ظهور الإسلام وانتشاره في تلك الأرض المقدسة ونزل الأمر برجمهم.
ويقابـل شارع شعب "دحْلــة الجن" الشديد الضيق في نهايته وعلى الجانب الآخر من وادي مكة جدارا جبليا آخر شديد الارتفاع يخترقه الطريق القديم الضيق والعسير الصعود والنزول المسمى" ريع الحجون"، وكأنهما على امتـداد واحد طبيعي أو مدروس تخطيطيا، وكان هذا الريع ممرا قديما لقوافل الجمال القادمة والمتجهة الى جدة والمدينة، وتم هذه الأيام نحت الممر ليتسع لمرور الاختراع الجديد المسمى بالسيارات ليطلق على هذا الممر اسم " الريع المنحوت". وأذكر أن هذا الطريق يتخلل على السفوح المنخفضة وعلى جانبيه المقابر وأهمها مقابر أهل مكة القديمة ويقال أن فيها قبور أقرباء الرسول (ص) مثل عمه أبو طالب وغيرهم.
ومع تلك التوسعة ظلت تجد السيارات في هذا الريع المشقات والصعوبات العظيمة في صعوده إذ يساندها الركاب بالدعم بالحجارة حتى تبلغ قمته ومنه تتجه الى مدينــة "جدة" كما تواجهها مصاعب أكبر أيضا عنــد الانحدار منه وبإشكالات أخرى قد تؤدي إلى انفلات المكابح وتقلبها.
و معظم حارات مكة القديمة نشأت وقامت حول مسجد "الحرم المكي" وتكاثرت بتلاصق المباني على امتداد وادي مكة في شعاب الجبال على جانبيه في كافة الجهـات، وعلى فروع الأودية فكانت أولا " المعلاة والمسفلة والهجلة وحـارة البـاب وجرول والسليمانية والشبيكة والشــامية من الجهة الأخرى مع القرارة والنقـاء وسوق الليل وشعب علي ثم شعب عامر ثم يستمر البنـاء. في الجودرية، والمعابدة وغيرها.

وبنفس الطريقة نشأت حـارة الدحلة، حيث بنيت على أطراف الشعب ثم فـي بطن هذا الشعب، وكانت المباني عبارة عن صنادق أو بيوت ذات الدور الواحد مبنية بالحجارة مع الجص أو" الجبس" ومنها ما أخـذ أشكالا فريـدة مشابها للقصور بالأعمـدة الكاملة أو البـارزة من الجـدران مع الأقواس الجصية فـوق الأبواب والنـوافذ، ولبعضها بوابـات ضخمة مزخرفة تفتح عادة على "ديـوان" جميل للضيوف وأمامه غالبا ساحة تتوسط منه بركة أو نافورة وعلى جانب أحد جدرانها أو قرب مدخل البيت " الحنفيــة" وهي مستودع" حفظ المــاء" ويملأها "السقاء" بانتظام مع شروق الشمس بما يجلبوه من ماء على أكتافهم "بالزفــة" أو على عربيات الكرو وظهور الحيوانـات، وتنقل هذه المياه من " البـازان" الكبير وأظنه كان يحمل اسما قديما وهو "بئـر الحمام" وكان يسقي جميع سكان حارات الشعب.
وتشمخ بجوار تلك التحف القديمة بيـوت وعمارات جديدة من ذات الدورين والثلاثة أدوار وأكثر وتتناغم في ألفة مع أخرى أكثر قدما بنيت بالحجارة المهذبة وأخريات بالطوب الأحمر أو الطين المحروق، فتبـدوا جميعها عن بعد كعرائس في غاية الحسـن وهن يستعرضن قاماتهن وجمالهن، فبينهن الشامخات الطول ولكن مباراتهن في جمال الواجهات المميزة لكل واحدة، بما يغطي جدرانها بالكامل من النقوش بالألوان والزخارف الفنية والهندسية المحفورة على البناء من الجبس وعلى الأخشاب لتكون عملا مميزا ذو شهرة خاصة ومتعة للناظـرين، ولـتعتـبر ضمن أروع التحف المكلفـة والثمينـة في نفس الوقت في البلـد، وما هو أكثر تميز ويدهش البصر ويعلق في الذاكـرة هو التعمد وبتحـدي بأن تعرض كل فاتنـة روائعـها من كل تلك المشغولات الحجـرية والجبسيـة والمحفورات الخشبية التي تغـطي معظم واجهاتها، فتتصل وتنفصل في تناسق جمـالي وفي أصغر المساحــات على تلك المجسمات الضخـمة، والتباري فيما بينـهن في إبـراز تلك الفتنـة يـرجع إلى ما يقـوم بـه أبـرع "أساطين الصناعة" والحـرفيــين المبدعـين في ذلك الـوقت، مظـهرين قمـة البراعـة في أعمال البنـاء وخلاصة تجاربهم والتميز في مدارسهم في فـن العمارة وفي صنع الأبـواب والنوافـذ وما تحمـله من حـلى ونقوش إلى جانب قمة الأعـمال في العمـارة الحجـازية في أعمال وصناعة "الرواشن" الخشبية التي ستحجب خلفـها الـدرر الحقيقية الغاليـة من العرائس الحسان من بني الإنسان، وهؤلاء المهـرة يـُظهرون في أعمالهم الجـديـة في التنافس والتحـدي وهم يضعون كل عصارات خبراتهم في فن التجميل والجماليـات على الأبواب وشبابيك النوافـذ وفي هذه الرواشن بالحـفـر والنقوش المذهـلة، فتشاهد في النهايـة قمـة وقيمـة ما بذلـه البنـاؤون والنجـارون وأمهـر النقـاش والرسـامين على الخشب والجبس والدهـانات في تـزيـين كل عـروس في داخلـها وعليـها من الخارج، وكل مبنى هو خلاصة مهـارات حرفيـين مع عصارات أفكـارهم وخـبراتهم المتوارثـة حتى يقـف ذلك الجمـال وتبقى تلك الأعمـال شامخـة عقـودا عديـدة وصلت في بعضها إلى قرون، وعليـها شواهد على براعتهم في نـقوش بأسمائهم وأزمـانهم مع العبـارات الجميلـة والأدعية في زخارف وبأسماء الله الحسنى.

وهـذه المباني متراصة بحسب انحنـاءات الشعب أو شارع حارة الدحلة"، وتتخللها أزقة كثـيرة على الجوانب لتفصل بينها وتتغلغل الدروب صعودا ونزولا في الجبال في تعرج أفعواني، وشارع شعب الدحلة وأزقته ليس لها عرض منتظم بل تصبح حينا أكثر ضيقا في مكان وتتسع بعد مباني أخرى وهكذا على امتداداتها، وقد تأخذ كل مرحلة أو زاوية منها أسما جديدا عندما تنسب لأهم ساكن أو لصفة بنايـة أو حدث ما في هذا الجزء لتحديد الوصف الدقيق لمكان ما وبالدقـة المتناهيـة مثل زاويــة زقـاق بيت الحـريري والحـمامي أو زاويـة بيـت "عبد الواحد" أو كرويتـة المعلم "الجـزار" وغيرها.
وهـذا الشارع الأفعــواني هو النافـذ الوحيـد من الشعب على وادي مكــة ويستمر صعودا لأعلى شعب دحـلة الجن بأسفل الجبـل الأسود لتتـفرع فيه الأزقــة وتتصاعـد على سفح الجبـل بين بيوت مبنيـة من الصفيح أو التنـك المشهورة "الصنـادق" وقـد التصقت ببعضهـا على امتدادات الأزقــة.
وقـد تشاهد هذه الجـدران المعدنيـة الصدئـة أو المطلية بالرخام لسنوات وتجـدها ذات صباح قـد زالت أو اختـفت بالكامل ليظهر مكانها ما كان يبني خلفهـا من الحيطـان أو الغرف بالطوب الأحمر أو صخور مهذبــة أو كيفما أتفـق، وقـد أشرقت بلون الجـير الأبيض فيتخيـلهـا الـرائي مع ما حولهـا من البعـد بين صفحات في الجبـل الأسود بعتـمة بعض الصنادق الصدئة وتعرجـات الأزقة ومع درجـات الانكسار لانعكاسات نـور شمس ما بعـد الـظهيرة وحـتى الـغروب امتـدادات مذيلـة طوليــة أو عرضية وبارتفاعات متفرقـة من الـبقع النـاصعة البيـاض واللامع كأس راب طيـور "الغرنـوق" المهاجـرة، كما ترى هـذا المشـهد في بـكر الشـروق وعلى أذيـال شمس الغروب.

ولأن الأراضي الشحيحة في هذه الجوانب تعتبر مملوكة من القدم ويطلق عليها (أحكار) أو الأراضي الوقفـية القديمة جدا فلن يتمكن أحـد من تملك أي أرض أو بيعها " شرعا" بصكوك ملكية حقيقية مستقلة، ولكن يمكن استئجار أو شراء المنفعة فقط أو بيعها كأرض فضاء أو بالبنـاء للانتفاع بها كساكن مستأجرة، وله (حسب الاتفاق) أن يؤجرهـا للغير أو يبيع منفعـتها بالتنازل عن مصالحها وليس أصولها. ولأن والدي أحب مهنة البنـاء وأصبح يحظى بلقب "معلم بنـاء" وتعني "مقاول معـمار" في مفاهيم هذه الأيام، حين وجـد من وفـرة طالبي العمل المهـرة ممن يتخلف من الحجاج للتـزود بما يساعدهم على العـودة أو التبضع للأهـل فأصبح واحـدا من الذين قـاموا باستغلال أراضي الأحكار الفارغة أو البيضـاء في هذه الرقعـة من الشـعب، بالاستئجار أو شراء حقـوق المنفعة مباشرة من" القيم عليها" أو الوصي أو بالتنـازل ممـن يملكون حقـوق الاستفادة مسبقا، فيبني عليـها مساكن جاهـزة لتأجـيرها أو بيع منفعتها الكاملة لهم بالتنازل حسب العرف السائد حينذاك ويكون بموافقـة أو بمبـاركة "القيِّم" على تلك الأوقـاف بشرط ضمان المستحقـات الخاصة بالوقـف من جميـع الأطـراف، وبـدأ أولا ببنـاء الصنادق حتى أصبح قـادرا على بناء البيوت العـادية الصغيرة ذات الدور الواحـد. وكسب في هذا النشاط ما مكّنـه من شـراء مبـاني أو عمارات كبيرة جاهـزة أو عمـارة الجديـد منها ومن غير الأحكار على شـارع وأزقـة حـارة الدحلة، فأشتهر بعدها بهذه المهنـة أو التجـارة. ورحـل أيضا بهذا النجاح في سنوات لاحقة للشـراء والبناء في ضاحية "الحـوية" ثم في بلـدة "الطائف"، التي بدأت تستقبل أفواج جديدة تسمى مصطافين أخـذوا يقـدمون من العاصمة ومدن أخرى، وقبل ذلك كان هـذا من عـادات أغلب سكان "مكـة المكرمة" وما جـاورها في تهامة الحجـاز وساكني الطـائف بـأن يقيمـوا في مكــة وما حولها وهي الأكثر دفئـا، أما في الأيـام الحـارة أو الصيف فتكـون الرحـلة صعود إلى أعـالي جبـال السروات حيث بلـدة (الطائف) والضواحي والقرى الباردة.
وقد يكون يوم واحد في التاريخ قد يعني حدثا يتغير فيه مصير أمة في العظمة أو نحو الانهيار، أو حمل تاريخ يوم بدأت فيه أحداث هزت هذا العالم وحمل بعدها وجها وصورة أخرى جديـدة جميلة أو مريعــة أو مقيتة، ولكن يومي هذا هو من النوع " السياحي"!
أي ذلك الذي يحمل حقا تفاصيل صورة لحياة ربما أمة خلال حقبة من التاريخ الطويل، وان كان مجرد يوم اعتيادي قصير مثل يومي هذا في حارة " الدحلة".

وقد بدأ هذا الصباح وأنا في صخب أفراحي بتجاوزي لسن الرابعة ببضع شهور، ولأن بقية الأيام التي تلتـه كانت على وتيرة ونسخة متـطابقة في أحداثها وتفاصيلها، لذا فان يومي هذا لم ينتـهي إلا في صباح ذلك اليوم الذي بلغت فيه سن السابعة ودخلت فيه بعيون دامعة وخفقات قلب جديدة، وغريبة بالرغبة المكبوتة عن البكاء وقد كفّت يدي عن التمسك بثوب أبي ليرحل ويقودني رجل آخر وأنا في شبه غيبوبة الى حجرة الصف الأول بالمدرسة، ففي ذلك اليوم كانت التغيرات التي حدثت وظلت تحدث كل صباح كثيرة وكبيرة التـأثير في نفسي كانسان وفي الحياة من حولي، كأن جميع أيام قرنين كاملين متراكمة في صندوق البخت، فيأتيك يوما من القرن التاسع عشر وغدا من العشرين.
لهذا لم ولن أستطيع أن أتذكر غيرها من هوجاء وأحداث هذا العصر الجديد، بل لم ولن أفكر بأن أحكي أو أكتب شيء عن يوم من أيامه، لأنها وببساطة لم تترك في نفسي وذاكرتي تلك الانطباعات العميقة والمليئة بدفء الحب والإشراق والخيال والطرافة والمتـعة المسكوبة في قدح البراءة مع شروق شمس كل يوم.
ولقد أخبرت في بدايات يـومي أيضا بوفاة الملك "عبد العزيز" غفر الله له، وسمعت أن من تولى الحكم بعده هو ابنه الملك "سعود" والأمير "فيصل" وليا للعهد، ثم أصبحت الحياة والأشياء والأنماط تتغير متسارعة، وكل يـوم ترصد أحداثـه كتاريخ مستقل بذاتـه لا يمت لسابقه فاللاحـق من قـرن آخـر جديـد.

فأحـداث فـترة يومي هـذا بالذات تبدأ كالعـادة في الصباح الباكر مع شروق الشمس، وقد تظن أنه لم ولا يوجد في هـذه الفترة شيء من المتـعة أو الإثـارة لي كطفل، بل كانت كل ثوانيها مليئة بالمتعة والإثـارة، ومثلـها حـدث بالأمس وما قبـله وستحدث أيضا غدا، وروعتها تتكرر في كل يوم وتحـدث فينـا هذه الإثــارة كأول مرة، أو تضاعفت إثـارتها بإضافة مجمـوع يومـين من السعادة، ورغم أن أحـداثها مكررة التفاصيل إلا أن الأحاسيس الوقتية بها وفي عمـق تأثيرهـا يستمر في تصاعـد خلـف اللامحــدود، وعنـدها تكون كالسـعادة الأزليــة.
هي بالفعـل أحـداث يـوم واحد أدرجت تفاصيلها كاملة وشاملة في فيلم تسجيلي في عدة ثوان ويكاد زمن تكرار حدوثـها أدق من توقيت الساعة، ولكن! عمق تأثـيرها يمتد حتى الآن وسيمتـد لأكـثر من هــذه الخمسين سنـة، وستدوم لو دام العـمر في قـرون، أما اختـلاف التـأثير وتجـدده يوميـا فـهو لغز!
وعندها يصبح حديثي هنـا هو الشيء المكـرر فقـط.

فالشمس تشرق كل يـوم، ولكن هل كل مـن أشرقت عـليهم شمس الأمس من الأحيـاء على الأرض هم من تشرق عليهم شمس هـذا الصباح ودون أدنى زيـادة ودون أي نـقـص؟
فكم من حيـاة بعثت وكم من حيـاة رحلت أو اختفت بين ذاك الشـروق وهـذا الشروق؟ وعنـد كل شروق جديـد!
وهل كل البـاكين والضاحكـين يظلـون دومـا في هذه الحـال في كل شروق؟ ويظل البـاكي على دوام الحـال ومدى الأيـام والأعـوام يبكي ويـذرف الدمــوع ودون توقف؟
وفي هـذا اليــوم وكالمعتـاد في كل يـوم أن لا يسمح لي ولأخواتي بالخروج من المنزل بعد مغادرة والدنـا كل صباح لأعماله، وكالمعتاد نظـل نلعب ونقضـي معـظم الوقت في متـعة بمطـاردة بعضنا أو التزلج على حـامي الـدرج "الدرابزين"، وما إن تـقترب السـاعة من الثالثـة صباحا "بالتوقيت الـغروبي" أي التاسعة صباحـا بتوقيت هــذا الزمن حتى ترهـف آليـا آذاننـا لمـا نتوقعـه وننتظـره، وبالفعـل يـقرع "جـدّي نـاصر" بحلقـة الباب النحاسية بطريقته المعروفـة والتي نحفـظها جيـدا فنتسابق راكضين لـفتح الباب له وللتسلق بعـنقـه ليغـدقنـا خلالهـا كيـلا ..! بل بسـيل من القبلات وهو يـوزع علينـا لفـافات ورق على شكل كوز مخروطي مليئـة بأصناف ملونـة من الحلويات، وتـأتي أمي لتلقي عليه التحيـة وبعد لحظـات يغادرنـا ونحن نتشبث به، ولكنه يتركنـا وكلانا منكسو الخـاطر! فهـو سيكمل رحلتـه وزيـارته لبيت عمي محمد، ثم عـمي مـرزوق وغيرهم لينفح أولادهم بمخـزون الأشـواق وببقيـة لفافـات الحـلوى المعتادة، أما نحن فنـعود من جديد للفرح والضحك باللعب والصخب، مستمعتين بـه في كل ثوانيـه وكأننا لم نلعب تلك الألعـاب منذ لحظـات ومنــذ زمن.
وذات صباح يوم انتظرنا طويلا، ومرت الساعات مؤلمة وبطيئة حتى تجاوز الوقت ما بعد الساعة الثانية عشرة ظهرا" بالتوقيت الغروبي" وظللنا طوال ساعات ذلك اليوم مصدر قلق وإزعاج لوالدتنا بكثرة تساؤلنا عن " جـدّنـا " الذي لم يأتي ليداعبنا ويقبلنا وليحمل كل منا للحظة ويقذف بأخواتي الصغيرات في الهواء ونحن نضحك على صراخهن بينما نتلمظ والحلوى تداعب ألسنتنا وتدغدغها بطعمها اللذيذ، وتلك فقط أجمل لحظة في فـترة صباح ذلك اليوم الزمني، وكل لحظة لو سألت وفي وقتها ستكون هي الأجمل!

قال لنا والدي في ذلك اليوم بأن جدي سافر إلي اليمن في مهمة وسيتأخر هناك كثير ولم أزل أنتظر عودتـه كل يـوم وطوال سـنوات ذلك اليوم. أما المساء من هذا اليوم فهو دافئ كالعادة حين اجتمعنا حول عربـة " الداندورما " وهو الآيس كريم المثلج في ذك الزمن، بعد يمزج الثلج المجروش والمطحون مع " الخربز " أو البطيخ ويقال الشمام الأصفر مع السكر ويغرف في الكؤوس الخزفية بينما تقف إلى جوارها عربة لبائع" شــعر البنات" أو غزل البنات ونستمتع بمشاهدة حفنة السكر وهي تتلاشى وتتحول إلى كمية كبيرة من القطن كما يدهشنا ذوبانها اللذيذ بسرعة داخل الفم، ثم تأتي بعد قليل عربة أخرى تحمل "السحلب" الساخن وتقدم أخرى "بالبليلة" السابحة في طبق الخل وتركيبة الفلفل المميزة، وما ان نترك الحوم حول تلك العربات حتى تنطلق سيمفونيات جديدة قادمة إلينا من الأزقة، وهي مواويل جميلة بأصوات قوية وعذبة يتبارى أصحابها فيها لاجتذاب أكوام الأولاد بكلامهم المغنّى والمنمق والمثير للشهية في مخيلتنـا فنتراكض نحوهم وحولهم، ثم تصدح مواويل أخرى أجمل قادمة من أسفل الشعب من باعة جوالين آخرين على رؤوسهم" الدوار" وهي ألواح دائرية من الخشب وفوقها زبادي من اللبن الرائب، وفوق آخر أنواع من المعجنات والحلويات "كالغُريـبة واللّدو والحلاوة اللبنية وآخر بأنواع من المعجنات المقلية بالزيت "كالقرمش والمنفوش ودجاج البر. وأول من يحضر في ذلك المساء وقبل كل هؤلاء "الحاجّة مريم" بائعة الفصفص واللوز المقلي وقد أخذت مكانها المعتـاد في الظل تحت جدار منزلنـا.
وحين تنضب جيوبنا من كل " الهللات" وهي وفقط العملة الوحيدة الدارجة في جيوب الأولاد، ونفشل في الاستدانة تكون الحاجة مريم الأكثر كرما إذ تعطينا بعض الهبات في حفنات من "الفصفص" وحبات من اللوز المقلي وعنـدها تنحرف أبصارنا عن جميع الباعة وتتحول مواويلهم الجميلة الى نداءات نشازا وتكون تلك اللحظات المناسبة لبـدء الاستعدادات للقيام بألعاب ما قبل الغروب المفضلة والمعتادة، وفي نفس الوقت هناك مجموعات أخرى عنـد باب أحد البيوت أو في الزوايا لا تقل عنـا مرحا وصخبا ولكننا لا نستطيع الاقتراب منـها أو اللعب معها وألا طاردتـنـا أسلحتهن المؤلمة بالصراخ المغنى:
- الولد مع البنـات ... طـقـتـه شـوكه ومـات ..
وهذه التعويـذة واللعنـة العجيبة تأثيرها وفعلها السحري سريع وأقوى من أي تعويـذة هندية أو من أفريقية السوداء، هي اللعنة الفرعونية المؤكدة والكفيلـة بأن تجعل هذا الولـد المخترق يعيش يوما سيئا وكالمنبوذ من الآخرين وربـما أخذها لليوم التالي.
لهـذا اجتمعنا بعيـدا وبدأنـا بتشكيل قافلـة من الأولاد وسيكون في مقدمتها القيادي صاحب الصوت القوي والحسن من بيننا!
يسير للأمام فاتحـا عينيـه، ومن خلفه البقية تطأطئ بالرؤوس ومغمضة العيون بأيدي ممدودة لتقبض الكفوف أو تستند على أكتاف من يسير أمامه، وتماثل الحبال التي تربط قافلة الجمال، وتسـير بنا القافلة أو الركب بحثا عن غائب أو مفقود سافر يوما للتجارة بقافلة الى اليمن أو الشام ولم يرجع، فننـادي في أعماق الفيافي والقفار وحيواناتها وبين خيام العشائر " العربان" ، فيبدأ بنا الولد الأول وقائد القافلة في المقدمة بـصوت حزين وشجي وبلحنها المميز:
- يـا غـــزال .. يــا غـــزال..
ويرد خلفه بقية الجمع وهم كالمعصوبي الأعين: - فينـه ؟
ويستمر الحوار:
- اللي ســـافـر يـــا غــزال فينه ؟
راح مــع ركب الجــــمال فينه ؟
وراء الفيـــافي والجـبــال فينه ؟
واللى شــافه يا غــــزال فينه ؟
نعطيه ناقه وكيس بالمال فينه ؟
ودعوة لأبوه ابن الـحلال فينه ؟

وكنت عند هذه العبارات أبكي دامعا حقـا وبصدق، لأني في هذه اللحظة كنت أنـادي فيها وأبحث عن "جـدّي" الحبيب الذي قالوا أنه رحل وراء جبـل أبو قبيس الأسود الشاهق إلى أرض اليمن ولم يعـد، حتى اليوم.
ونظل نعيـد ونزيد في هذا الكلام ونغير في القيادة إلى أن نَملّ ويأتي دور اللعبة الأخرى، وكأنها حفل أو معزوفة الختام الذي يجب أن نختم بها كل مساء يومنـا كالمعتـاد، وهي الغنـاء والرقص التنافسي على رتم المـزمار وبأداء بترديد نشيد الزومال مستهلين بالنوتة التقليدية القديمة المعروفة:
" يا سارية خبريني"
ونضيف عليها ما نحفظه من تمجيد لحارة الدحلة وحارة الشِّعب وجميع الحـارات الموالية.
ثم وبنفس اللحن وروح المزمار نردد أنشودة جديدة في مجموعتين، فتقول الأولى:-
سفرجله سفرجله ...
ايش جابــك من اليمن.
وترد الثانية: -
جــابوني تكارنــه ...
حـملوني حِـمل الجمل.

ونظل نردد هذا وما نضيفه حتى تنتفخ رؤوسنا وتتصدع ويأخذ الملل والكلل يتسلل إلينـا وقد أقبل الغروب وستحجب الجبال شمس يومنا، وفي هذا الوقت ما ننتـظره بطريقتنا من خلال مشهد قدوم حاملي إنـارة الشوارع وهم مقبلون من أسفل الشارع في مجموعات مضيئة من الرجال يحملون بينهم "الأتاريك" أو المصابيح المشحونة بالهواء المضغوط مع الكيروسين، وكل مجموعة منها مصفوفة متدلية على عصا طويلة بين كتفي كل رجلين، فتدب فينا نشوة أخرى من نوع جديد بالتسـابق نحوهم ركضا ونستقبلهم فرحين بالأهازيج والتصفيق، ونسير معهم وهم يحملونها حتى تعلق على الأعمدة الخاصة بها في زوايـا الشوارع وداخل الأزقـة صعودا الى أعماق عالية من الجبال كانت على وشك أن تصبح بعد وقت قليل أشد ظلمة من الجبل الأسود، ولكن صفحته ستكون مضيئة بالمصابيح لتتصل بالسماء وبنجومها وكواكبها.

وبعد الغروب تبـدأ حركـة الكبار من أهـل الحـارة للإعداد للسمر والجلوس على المراكـيز والكرويتـات وهي مصاطب مصنعـة من الخشب وخاصة بأهـل مكة وان كانت "الدكــة" الأرضية المرتفعـة المسورة بالطوب ومفروشة بالرمـل او بالحصير تبدو خاصة بأهل الطائف، وكلاهما تعتمد في وجودهما على تواجد الشخصيات المهمة المؤهلـة المضيافة والـودودة في الحــارة.
ولا أدري كم يـطول "بالأتـاريك" من الوقت حتى تلفـظ أنفاسها، لأننـا كصغار الحـارة لن نبقى مستيقظين إلى ما بعـد صلاة العشاء، ولكننـا بلا شك نقضي أسعد الأوقات تحت أضواء هذه المصابيح المتوهجة بعـد مغيب الشمس وبدء حلول الظلام لوقت قصير بعدما أن ينال منا التعب من الجري واللعب منذ بعد ظهر هـذا اليوم حتى استنزف آخر السعرات الحرارية في دمائنا في لحظات المغيب هذه.
لهذا يكون الغروب هو إعلان لاستسلام حقيقي قريب، فنجلس لاهثين مشكلين دائرة تحت أحـد هذه الأعمـدة ومصباحها المنـير لنتوسل الى من يجيـدوا حفظ الحكايات أو السوالف، وهم قلة ولكنهم تمرسوا في مهارة التنويع في إلقاء الحكايات، ويتفننون بمقدرة على التجديد وتصوير المواقف المعتادة مما يجعلك كل يوم تسمع نفس الحكاية وكأنها تسمع لأول مرة، ولا نمل من سماع حكاية "الحبنجـرة"، وبنت الحطاب، الغولـة والسبع بنات، "فـداوي اليمن وفـداوي الشام" وغيرها، وفي الحقيقة لن يتمكن أحدنا من سماع أكثر من حكايتين ليغزوه النعاس، فمنذ البدء بأول حكاية وبينما البعض ينهمك بالاستماع كان هناك من يجـاهد ويكد للتركيز تحت ضغط الخـدر ونوبات التثاؤب، وأثناء ذلك تتناقص الدائرة بالتدريج بانسحابات فردية متوالية وبعد كل نـداء اسـتدعاء من الأهل لأحد منا من خلف الشبابيك والأبواب بالعجل لتناول وجبـة العشاء، والكثرة منّـا سيصارع النعاس أثناء الأكل أو سيهزم بغـارة قويـة من سلطان النـوم المتمكن ليستسلم وتسقط رأسه مرات على الأكل أو نام خفيفا هذه الليلـة.
وبهـذا أغلقـت عينـاي الستارة على ختـام هذا اليـوم القصير الطويل بحسابات مختلفة ولاعتبارات خاصة، في رحلـة ذهنية داخل حـارة " دحلـة الجن "، في يوم يشـبه تماما يــوما من الغــــد وبقية جميع أيـام ذلك العهد، ولكنك لن تجد لـه أي وجه شــبه، بأي يــوم بعـد ذك اليــوم أبــدا.
****



_________________
"الســــاهي ابراهيـــم"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alsahi-6.forumarabia.com
 
دحـــلة الـجن!
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عشــاق ليــــالي الـقمـر :: الروايــة والديــوان :: القصص : " الحكايات المسرحية"-
انتقل الى: